تشهد قرية آث داود ببلدية إيعطافن، بدائرة بني يني في ولاية تيزي وزو، إقبالا واسعا من الزوار والسياح من مختلف مناطق الولاية وحتى من ولايات أخرى، لزيارة أحد المعالم الطبيعية الذي عاد إلى الواجهة وفق قانون الطبيعة، أو وفق البعد الروحي والزيارات المرتبطة باسمه، والمتمثل في “ثالة ملولن” أو “المنبع الأبيض”.
يعد “ثالة ملولن” منبعا طبيعيا يختلف عن بقية الينابيع التي تشتهر بها ولاية تيزي وزو، لخصوصيته الفريدة، حيث تتفجر مياهه خلال فصل الربيع وفي أشهر معينة من السنة، على غرار فيفري ومارس وأفريل في بعض السنوات. وتتدفق مياهه الساخنة بين الصخور انطلاقا من جبال جرجرة، غير أن الأحجية التي لا تزال دون تفسير، تكمن في أن هذا المنبع لا يدوم إلا لفترة وجيزة أو بضعة أيام، ليجف بعدها وكأن مياهه لم تتدفق يوما بين تلك الصخور البيضاء. ومن يجهل المنطقة قد لا يعرف بوجوده إلا من خلال الحكايات، وأحيانا الأساطير المتداولة على ألسنة السكان.
ومن أعالي جبال جرجرة الشامخة، وفي أحضان طبيعة خلابة، تتفجر عيون من المياه الساخنة مشكلة منبع “ثالة ملولن”، الذي يعود تاريخه إلى سنوات خلت، وفتح المجال أمام المخيلة لنسج أجمل الأساطير حوله. وقد تحوّل إلى موروث طبيعي ذي أبعاد سياحية، يستقطب مئات الزوار بعد أن ذاع صيته بين سكان قرية آث داود والقرى المجاورة، متجاوزا حدود إيعطافن وبني يني، ليصبح مقصدا سياحيا يجمع بين السياحة والتداوي بفضل خصوصية مياهه الاستشفائية.
ويقع المنبع بين أحضان الطبيعة المزينة بمختلف الأشجار التي تعانق الجبال، أسفل قرية آث داود ببلدية إيعطافن، على الطريق نحو آث وعبان بإقبيل، وتعود ملكيته لعائلة “شيران”. وتتدفق منه مياه ساخنة ومالحة عبر عدة جداول، وتزداد حرارة المياه كلما اتجهت نحو أعلى الجبل، حيث يوجد حوض كبير يستحم فيه الزوار، بينما تنبعث فقاعات بخارية في مشهد مرتبط بظاهرة جيولوجية تُعرف بالطاقة الحرارية الأرضية.
ويرتبط اسم المنبع باللون الأبيض “أملال” باللغة الأمازيغية، الذي يكسو الصخور والجداول في ظاهرة طبيعية لم يتم تفسيرها علميا. ويربط كثيرون هذه الظاهرة برواية متداولة تفيد بأن مياه المنبع تتدفق في السنة التي يُرزق فيها أحد أفراد عائلة “شيران” بمولود ذكر، وهي حكاية تتناقلها ألسن سكان أعالي المنطقة، ما أضفى على الموقع طابعا روحانيا وجاذبية سياحية إضافية، تستقطب الباحثين عن الاستجمام والتداوي بمياهه العلاجية.
وقد شكّل الموقع لوحة طبيعية ساحرة، تمزج بين بياض الثلوج على قمم جبال جرجرة التي تطل ببرنوسها الأبيض، وخضرة الأشجار، وألوان الصخور الرمادية والسوداء التي تحوّلت إلى الأبيض بفعل المياه الساخنة المتدفقة، في إشارة لأهالي المنطقة والزوار بتفجر مياه “ثالة ملولن”، فاتحة المجال أمام تجربة السياحة الجبلية والسباحة في حوض المياه الساخنة في الهواء الطلق، وهي تجربة قد لا تتكرّر إلا بعد سنوات طويلة لارتباطها بالزمن.
وبعد تدفق المياه منذ حوالي أسبوع، تحوّلت قرية آث داود بإيعطافن إلى وجهة سياحية بامتياز، ما أعاد الحياة إلى المنطقة التي أصبحت مقصدا لعشاق الطبيعة والسياحة الجبلية، في مشهد امتزج فيه الشتاء بربيع مبكر. وزاد صوت تدفق المياه الساخنة من سفوح الجبل رونق المكان، وهي تشقّ طريقها عبر الجداول مشكلة لوحات طبيعية تستهوي الناظرين. وأكدت إحدى الزائرات أن المكان يمنحها راحة نفسية كبيرة، ويمثل فضاء روحانيا مناسبا للاستجمام، فضلا عن كونه وجهة للتداوي من بعض الأمراض، خاصة أمراض المفاصل والجلد.
ويكتسي منبع “ثالة ملولن” أو “المنبع الأبيض” بقرية آث داود أهمية سياحية كبيرة، باعتباره موروثا طبيعيا يشكّل لوحة ساحرة تستقطب المئات يوميا من داخل ولاية تيزي وزو وخارجها، ما يستدعي تثمينه والاهتمام به من قبل السلطات، من خلال استغلاله بطريقة ناجعة تساهم في تطوير وتنمية السياحة الجبلية بالمنطقة.






