تعزيز المواقف إزاء القضايا القارية والدوليـــة الرّاهنة
منعطف استراتيجــي في العـلاقـات بين البلدين الشقيقين
نهاية ‘البرود الدبلوماسي’ العابر وترسيم انتصار منطق ‘الحتمية الجغرافيــة’
تعكس زيارة رئيس جمهورية النيجر، رئيس الدولة، الفريق عبد الرحمن تياني، إلى الجزائر، بدعوة من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، حرص الزعيمين على ترسيخ العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين في شتى المجالات، وتفعيل آليات العمل المشترك لتحقيق الاستقرار في الساحل الإفريقي، وتعزيز المواقف إزاء القضايا القارية والدولية الرّاهنة.
تأتي زيارة رئيس جمهورية النيجر للجزائر، في وقت تبرز فيه الحاجة الملحّة لتوحيد الرؤى، ورفع مستوى التنسيق بين البلدين المهمين في المنطقة، من أجل احتواء التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، وتكثيف التعاون المثمر والتشاور البنّاء في إطار شراكة إستراتيجية تمس بمختلف القطاعات الإقتصادية على غرار الطاقة والمناجم والتجارة والفلاحة، بما يخدم مصالح الطرفين وفق المنفعة المتبادلة والمستديمة.
ويرى خبراء أن زيارة رئيس جمهورية النيجر، رئيس الدولة، الفريق عبد الرحمن تياني، إلى الجزائر، تُمثِّل منعطفًا استراتيجيًا في العلاقات بين البلدين الشقيقين؛ لكونها ستُعيد ترتيب أوراق منطقة الساحل، والدفع بالتعاون الثنائي في عديد المجالات الإقتصادية.
وفي هذا الشأن، أكد الخبير والباحث في الشؤون الإستراتيجية الإفريقية، البروفيسور بوحنية قوي، أن قيمة التبادل التجاري بين الجزائر والنيجر حاليًا، تبلغ حوالي 1.2 مليار دولار سنويًا، مع توجّه متزايد نحو تعزيز التجارة البينية في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية، يترجمه حيوية العلاقات الدبلوماسية في السنتين الماضيتين، أين قام مسؤولون جزائريون ونيجريون بأكثر من 15 زيارة متبادلة، بغية تعزيز الحوار والتعاون والتشاور في مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والأمنية.
وأوضح البروفيسور بوحنية قوي، في تصريح خصّ به «الشعب»، أن الحركية الدبلوماسية المكثفة بين الجزائر والنيجر، تعكس إدراك قائدي البلدين الشقيقين لأهمية تعزيز الاقتصاد البيني كأداة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وإرساء الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي، وكذا ضمان استفادة كلا الشعبين من الثروات والإمكانات المتاحة.
وفيما تعلق بالتعاون الطاقوي، كشف بوحنية، أن قوة الشّراكة الاقتصادية بين الجزائر ونيامي، تجسدت ببروز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الممتد لأكثر من 4.128 كلم من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر، بطاقة متوقعة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا، كما تطوّرت في مجالات الطاقة الشّمسية وربط الشّبكات الكهربائية.
وعلى صعيد التجارة الخارجية، تُصدِّر الجزائر إلى النيجر مواد غذائية وإسمنت وأدوية ومواد بناء، وانتعشت أكثر مع دخول اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية حيّز التطبيق، ومن المتوقّع أن ترتفع المبادلات بنسبة 20 إلى 30 ٪ خلال السنوات القليلة القادمة، بحسب قوله.
تنسيق لحماية الحدود
وأضاف قوي أن التنسيق الجزائري -النيجري في مراقبة أكثر من 950 كلم من الحدود المشتركة بين البلدين، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، أسهم في التصدي للجماعات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود، وسدّ المنافذ أمام الجهات الأجنبية التي حاولت تطويق الجزائر من خاصرتها الجنوبية.
ويبرز هنا الدور الأساسي للجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، ومقر مجموعة العمليات المشتركة في تمنراست، الذي يشمل فرقًا مختصة في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وتعزيز التعاون العسكري بين الجزائر والدول الإفريقية الشقيقة، وفقًا له.
وتابع الخبير: «بالحديث عن الوساطة والدور الدبلوماسي الإقليمي الحيوي للجزائر، فقد لعبت دور الوسيط النزيه في حلّ الأزمات الإقليمية، وأسهمت في حلحلة النزاعات داخليًا ضمن الإطار الإفريقي كالإتحاد الإفريقي، وكانت داعمة لأي حوار سياسي داخلي في النيجر دون فرض حلول خارجية».
إلى ذلك، قدّمت الجزائر مشاريع صحية وتعليمية وشبكات مياه كبنية تحتية في شمال النيجر، كما دعمت الأمن الغذائي عبر برامج زراعية متقدمة، وشطبت سابقًا ديونًا لدول إفريقية عديدة، تجاوزت 2 مليار دولار أمريكي، دعمًا للاستقرار المالي والتنمية المحلية.
وتتطلّع الجزائر اليوم إلى تعزيز التعاون مع كل دول الساحل وإفريقيا؛ لكونه أصبح ضرورة ملحّة، ليس فقط للحفاظ على إرثها السياسي والإنساني والثقافي العميق، بل أيضًا لضمان استقرار المنطقة وحماية مصالحها الإستراتيجية.
ومن خلال الدبلوماسية الرصينة، والتنسيق الأمني والاقتصادي، والتضامن المتواصل مع الأشقاء الأفارقة، أكد بلد الشهداء أنّه شريك موثوق بالفعل، وصمّام أمان للسلم الإقليمي والقاري، ومستعدّ لبعث روح التّعاضد والشّراكة المستدامة مع كافة دول الساحل لضمان مستقبل مزدهر وآمن للجميع، يذكر الخبير والباحث في الشؤون الإستراتيجية الإفريقية، البروفيسور بوحنية قوي.
نجاح دبلوماسي للرئيس تبون
من جهته، رأى الباحث المتخصص في الدراسات الإفريقية بجامعة عمار ثليجي في ولاية الأغواط، البروفيسور العيد دحماني، أن زيارة رئيس جمهورية النيجر، الفريق عبد الرحمن تياني، إلى الجزائر، تُمثِّل منعطفًا استراتيجيًا سيُعيد ترتيب أوراق منطقة الساحل.
وفي تصريحه لـ»الشعب»، أفاد البروفيسور العيد دحماني، أن هذه الزيارة لا تُنهي فقط مرحلة من ‘البرود الدبلوماسي’ العابر، بل تُعلن رسميًا انتصار منطق ‘الحتمية الجغرافية’، والعمق التاريخي، على كل محاولات الاستثمار في الخلافات البينية، مؤكدًا أن بوصلة نيامي الإستراتيجية عادت لترتكز على حاضنتها الجزائرية كمرجعية وحيدة لضمان السيادة والاستقرار بعيدًا عن كل الإملاءات العابرة للحدود.
وأشار إلى أنّ استعادة قنوات التواصل يعد «تصويباً طبيعياً للمسار»، والتجربة أثبتت أنّ ترك «ثغرة الخلاف» لا يخدم سوى أجندات دخيلة تسعى لعزل الجزائر عن عمقها الإفريقي. وقد نجحت الدبلوماسية الجزائرية بتوجيهٍ من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في انتهاج مقاربة «ضبط النفس» والبراغماتية، مفضلاً لغة الحوار وتغليب «المصالح العليا للقارّة» على ردود الفعل المُتشنّجة، مما مهّد الطريق لزيارة وزير المحروقات والمناجم، محمد عرقاب، إلى نيامي في جانفي الماضي، والتي كانت بمثابة «كسارة الجليد» لإعادة العلاقات إلى طبيعتها، يقول المصدر ذاته.
الطاقة كأداة إستراتيجية للعلاقات
ونوه المتحدث، أن بلد الشهداء بالنسبة للنيجر ليس مجرد جار، بل هو الشريان الحيوي الذي من أجل تحقيق التكامل التجاري والاقتصادي، في منطقة تعج بالتحديات.
واعتبر دحماني، توظيف الطّاقة كأداة إستراتيجية في العلاقات بين البلدين، خطوة مهمة جدًا، خاصة ما تعلق بإنجاز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي لا يوفّر العملة الصعبة للنيجر فحسب، بل سيُدمج أمنها هيكليًا في منظومة الاستقرار الإقليمي، وسيعزز السيادة النيجرية أكثر بفضل نقل التكنولوجيا الطاقية الجزائرية، بعيدًا عن الإرتهان للوصاية الخارجية، مما يثبت أنّ «أمن الطاقة» يُمثِّل اليوم صمام الأمان الأقوى لحماية القرار السياسي والسيادي لدول منطقة الساحل.
كما تُجسِّد منطقة التبادل الحر حتمية «الجغرافيا السياسية» التي تربط النيجر بالمتوسط عبر الجزائر، محولة موقعها من دولة حبيسة إلى نقطة ارتكاز قارية؛ ذلك أن الجزائر توفر لنيامي المنفذ الأكثر قربًا واستقرارًا لتجاوز ضغوط المنافذ الأطلسية المتقلِّبة، وفقًا لمحدثنا. ومثل هذا الاستثمار في البنى التحتية سيُحرِّر القرار النيجري من الابتزاز السياسي للجوار، ويُبرهن أنّ التكامل الجغرافي مع الجزائر ليس مجرد إقرار ممر تجاري عادي، بل هو شريان حياة سيادي للنيجر، سيعمل على ترسيخ استقلاله عبر «دبلوماسية الممرات» الآمنة.
هذا التّرابط الهيكلي يُكرِّس أمن المنطقة وفق منطق المصالح المتبادلة، ويقطع الطريق أمام المشاريع الضيقة البديلة التي تسعى لزعزعة استقرار الساحل أو عزل الجزائر عن محيطها الجغرافي الطبيعي، يختم الباحث المتخصص في الدراسات الإفريقية، البروفيسور العيد دحماني.

