الانتقـــال من منطق المساعــدات إلى منطق الشراكة المستدامـة
زيارة الرئيس تياني خطوة عملية لتفعيل آليات التشاور السياسي والاقتصادي
تأتي زيارة رئيس جمهورية النيجر السيد عبد الرحمن تياني، إلى الجزائر، والتي دامت يومين، في توقيت تشهد فيه منطقة الساحل تحولات سياسية وأمنية تستدعي إعادة ترتيب أولويات التعاون بين دول الجوار، حيث تمثل هذه الزيارة التي تندرج في إطار «الأخوة والعمل» خطوة عملية لتفعيل آليات التشاور السياسي والاقتصادي بين البلدين.
علي مجالدي
تؤكد الجزائر من خلال استقبالها لرئيس النيجر، ثوابت سياستها الخارجية تجاه دول الجوار والقائمة على بناء علاقات أخوية ومحترمة، ترتكز أساساً على التنمية المشتركة، والتنسيق والتشاور وهو التوجه الذي يجد ترجمته في الملفات الاقتصادية الثقيلة المطروحة للنقاش.
وعلى رأس هذه الملفات مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، وكذا مشروع الطريق العابر للصحراء، إضافة إلى التوجه الجزائري نحو إنشاء مناطق اقتصادية حرة مع دول الساحل، وتفعيل نظام المقايضة الذي يسمح بتبادل السلع والمنتجات المحلية بين سكان المناطق الحدودية، مما يسهم في خلق حركية تجارية تدعم استقرار السكان وتوفر بدائل اقتصادية حقيقية.
وفي سياق متصل، تفرض الجغرافيا السياسية واقعاً لا يمكن تجاوزه في العلاقات بين البلدين، حيث يمتد الشريط الحدودي المشترك على مسافة 956 كيلومتراً، وهو ما يجعل من التنسيق الأمني ضرورة حتمية، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة من نشاط للجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات.
لذا فإن المحادثات الثنائية، أكدت بوضوح على مسألة المشترك، خاصة فيما يتعلق بتأمين هذا الشريط الحدودي وتحويله من مصدر للقلق الأمني إلى منطقة تبادل وتواصل، وتعمل الجزائر في هذا الإطار على مشاركة خبرتها في مكافحة الإرهاب مع الجانب النيجري، وفق مقاربة شاملة لا تكتفي بالحلول العسكرية والأمنية فحسب، بل تدمج البعد التنموي كعنصر أساسي في تجفيف منابع التطرف.
وفي السياق، أكد رئيس الجهورية، عبد المجيد تبون، في التصريح الصحفي المشترك مع الرئيس النيجري عبد الرحمان تياني، أن «أمن الجزائر من أمن النيجر». ويفهم من المبادئ الثنائية التي أطرت بشكل واضح الزيارة، أن استقلالية القرار الوطني لدول المنطقة تقتضي بالضرورة تنسيقاً عالياً بين العواصم المعنية، لقطع الطريق أمام أي محاولات للتدخل الخارجي أو التشويش على العلاقات البينية، حيث تدرك القيادات في البلدين أن الأمن القومي للجزائر والنيجر مترابط بشكل عضوي، وأن الحلول للمشكلات القائمة يجب أن تكون نابعة من داخل المنطقة لضمان ديمومتها وفاعليتها.
علاوة على ذلك، يكتسي الشق الاقتصادي في هذه الزيارة أهمية بالغة فالجزائر تطرح رؤية اقتصادية اندماجية، تسعى من خلالها لربط النيجر بشبكة من البنى التحتية الاستراتيجية التي تصلها بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية، ولا سيما عبر مشروع أنبوب الغاز الذي يعد استثماراً ضخماً يعيد تشكيل خارطة الطاقة في المنطقة بشكل كامل، ويمنح النيجر عوائد مالية وتنموية هامة بشكل سنوي ومستدام قد يصل إلى مليار دولار سنويا، بالإضافة إلى خط الألياف البصرية والطريق الصحراوي الذي يفك العزلة عن هذا البلد الحبيس جغرافياً، وتأتي هذه المشاريع لتعكس الانتقال من منطق المساعدات إلى منطق الشراكة المستدامة، حيث يُتوقع أن تعطي هذه الزيارة دفعاً قوياً لتسريع وتيرة إنجاز هذه المشاريع، وتذليل العقبات التقنية والتمويلية التي قد تعترضها، كما أن بحث سبل تعزيز التبادل التجاري وفتح المعابر الحدودية أمام حركة البضائع يعكس رغبة مشتركة في تحقيق تكامل اقتصادي يخدم التنمية في البلدين.
آفاق التعاون الأمني والاقتصادي
بالإضافة إلى ذلك، عكست مراسم الاستقبال التي خص بها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون ضيفه النيجري، والمحادثات التي شملت وفدي البلدين، حرصاً واضحاً على إعطاء الزيارة أبعاداً رسمية على أعلى مستوى، حيث تم استعراض مختلف أوجه التعاون الثنائي، وضرورة التنسيق في المحافل الدولية والإقليمية، كما أن العديد من المحللين يتوقعون أن الجزائر تسعى نحو تعاون قطاعي متعدد مع النيجر في مجالات الطاقة، التعليم، والتكوين المهني، كما أن المحادثات الحالية تعد فرصة حقيقية وجادة لتقييم الوضع الراهن للعلاقات وتجاوز مرحلة الجمود النسبي التي طبعتها في الفترة الماضية نتيجة الظروف السياسية الداخلية في النيجر، كما تؤكد الزيارة أن قنوات الحوار ظلت مفتوحة، وأن الجزائر بصفتها دولة جارة وشقيقة تحافظ على مسافة واحدة من الجميع، مع التركيز على دعم استقرار مؤسسات الدولة في النيجر ومرافقته في تجاوز مرحلة الانتقال السياسي بأمان، بعيداً عن الضغوطات التي قد تمارسها بعض القوى الدولية التقليدية التي فقدت نفوذها في المنطقة.
في نفس السياق، توجت الزيارة بتدشين مرحلة جديدة بين البلدين عنوانها «رفع سقف الأخوة» إلى جانب أنها تعيد ضبط بوصلة التعاون الأمني، خاصة فيما يتعلق بتأمين الحدود ومحاربة الجريمة العابرة للأوطان، فالجزائر القوية بجيشها وذات خبرة ميدانية واسعة، تعد شريكاً موثوقاً للنيجر في سعيها لبسط سيطرتها على كامل ترابها الوطني ومواجهة التهديدات الأمنية، كما أن الرمزية التي حملتها زيارة رئيس النيجر إلى مقام الشهيد للترحم على أرواح شهداء الثورة التحريرية، تحمل دلالات التقدير لتاريخ الجزائر النضالي، وتؤكد على المشتركات التاريخية التي يمكن البناء عليها لتأسيس مستقبل أفضل، لا سيما وأن العلاقات الجزائرية النيجرية لا تحكمها فقط المصالح الظرفية، بل تستند إلى عمق اجتماعي وإنساني بين القبائل والعائلات الممتدة على جانبي الحدود، وهو ما يشكل رصيداً إضافياً يمكن استثماره لتعزيز اللحمة بين الشعبين.

