إشاراتنا في الحب غمز عيوننا
وكل لبيب من الإشارة يفهم
حواجبنا تقضي الحوائج بيننا
ونحن سكوت والهوى يتكلم
لاحظت – كما لاحظ غيري – مدى التحوّل الذي طرأ على النصوص الروائية على مستوى الموضوعات، وهو الذوق الذي فرضه النقد الأدبي، وخاصة هوى الجوائز الأدبية وتوجهاتها الأيديولوجية.. ومهما يقال في ذلك إلا أن توجيه الأقلام ناحية موضوعات الهامش والمركز والطبقات الهشّة والمسحوقة اجتماعيا قد قدمّ إضافة قيمة لهذا الأدب، وانتقل به من وظيفة جمالية محضة إلى وظائف أخرى اجتماعية وثقافية وسياسية!
لاحظت كيف أن الجانب الوجداني قد انحصر بشكل عجيب في هذه النصوص الروائية، حتى إذا وقفت على قصة حب، فهو حب سائل لا يدوم.. فهو كغيره من العلاقات لا يعترف بتجربة دائمة مستمرة وعلاقة دائمة، تحت “حبيب يأتي حبيب يغدو”…
وإذا أحسنا الظن بهذا الأدب فهو لا يزيد على أن يكون أدبا مرآويا بامتياز، يصور حياة البشر كما آلت إلى مآلات الأمور.. حياة منمّطة، ومشاعر مشيّأة، وحب سائل سائل.. لم يعد الحبيب طرفا مهما في علاقة ثنائية، بل المهم هو الحب، وقد يتداول على هذا المنصب واحد واثنان وثلاثة.. وقد يصبح العدد رمزا للفحولة والتلاعب، وعندها لا نتكلم عن الحب، بل عن لافتة مضللة لمتجر يوهم أن مادته المشاعر الصادقة، ووراء المحسب (كونتوار) تختبئ نوايا أخرى ليست إلا الإغواء الجسدي والنزوات الجنسية.
إن السعار الجنسي الذي هو من مخرجات العولمة، ومظهر من أهم مظاهر التشيؤ الذي طال الحياة فأحال حالات المادة إلى سوائل، بذريعة الوتيرة المتسارعة التي لا يعترف بغيرها المؤسسات والجماعات والأفراد، (وانتبه أنني أجمع في بوتقة واحدة الجاني والمجني عليه).
فالرواية كأحد أكثر الأجناس الأدبية استهلاكا ورواجا، حري بها أن تنتبه لوظيفتها الأزلية، أي الاهتمام بما يجب أن يكون أكثر مما هو كائن، كون الروائي شخصا حالما يتوق إلى إصلاح أعطاب هذا الكون مما أفرزته الحداثة وما بعدها من تشوهات مسّت كل جوانب الحياة، فبتنا نعيش في عالم مواز لا يمت للعالم المنشود بصلة، أنانية مفرطة، نفاق اجتماعي، علاقات موتورة، وجفاف عاطفي مريع!!
والرواية قادرة على ترميم ما انهد من هذا العالم، أقل شيء على مستوى التخييل. فللأدب دور خطير في التوجيه كأداة ناعمة لها القدرة على البرمجة اللغوية العصبية وإعادتها، فإذا ما تمّ استثمار هذه الأداة (بل الجهاز الجمالي والتوعوي) كما ينبغي، لكان إسهاما فعّالا في تنشئة نشء على نماذج وأفكار رائدة، وطموح بالتغيير وفق رؤية تختلف على كل شيء، وتتفق على حب الإنسان والاعتراف بحقه في العيش الكريم.





