يرى الباحث في الطاقات المتجدّدة، الدكتور مفلاح عيسى، أنّ منجم غارا جبيلات بولاية تندوف هو أكثر من مجرّد استثمار تعديني ضخم، إذ يعد مكسبا استراتيجيا للتحوّل نحو تنمية مستدامة باحتياطيات تقدّر بـ3.5 مليار طن، ومع اقتراب 2026 يرتقب دخوله مرحلة تكامل مع محطة الطاقة الشمسية الكهروضوئية، في خطوة تعكس إدماج الطاقات المتجدّدة في الصناعات الثقيلة وتدعم أهداف الانتقال الطاقوي الوطني.
– “الشّعب”: ما هي الخصائص الهندسية لمحطة غارا جبيلات للطاقة الشمسية، وكيف يتم التخطيط لنظام التخزين لضمان استقرار الإمدادات الطاقوية للمنجم؟
الباحث في الطاقات المتجدّدة.. الدكتور مفلاح عيسى: تعتبر محطة غارا جبيلات نموذجا متقدّما في هندسة القوى، حيث تستهدف قدرة إجمالية تصل إلى 205.19 ميغاواط. يعتمد التصميم على مصفوفات شمسية عالية الكفاءة قادرة على العمل في بيئة تندوف، التي يتجاوز تدفقها الإشعاعي 2500 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع سنويا. ولضمان استمرارية التشغيل، من المرتقب دمج نظام تخزين طاقة بالبطاريات بسعة 150 ميغاواط/ساعة، وهو ما سيمثل 25 بالمائة من قدرة المحطة، ممّا يسمح بتوفير 6 ساعات من التغذية الليلية المستمرة بحسب تصريحات القائمين على المشروع. وبحسب المخطّطات المحدثة، من المتوقّع استلام المحطة ونظام التخزين المعتمد على تكنولوجيا ليثيوم-حديد-فوسفات، في الفترة ما بين أكتوبر وديسمبر 2026.
– ما الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع، وكيف يعيد تموضع ولاية تندوف ضمن خارطة مشاريع الطاقة المتجدّدة الكبرى في الجزائر لعام 2026؟
يمثل مشروع محطة غارا جبيلات حجر الزاوية في خارطة الطريق الوطنية للتحول الطاقوي، حيث يعد ثاني أكبر مشروع للطاقة الشمسية في الجزائر بنهاية عام 2026. وتكمن أهميته الاستراتيجية في كونه أول مشروع صناعي ضخم يجسّد مفهوم “الاستقلال الطاقوي المنجمي”، ممّا يرفع الضغط عن الشبكة الوطنية للكهرباء ويقلّل الاعتماد على توربينات الغاز التقليدية في المناطق المعزولة.
من الناحية الاقتصادية، تضع هذه المحطة ولاية تندوف كقطب طاقوي جديد في الجنوب الغربي، لتساهم في بلوغ هدف إنتاج 3200 ميغاواط من الطاقات المتجدّدة المرتقب تحقيقها وطنيا بنهاية عام 2026، وذلك ضمن البرنامج الأوسع الذي يستهدف 15000 ميغاواط بحلول عام 2035. كما أنّ إضافة 205.19 ميغاواط في هذه النقطة الحدودية لا تخدم المنجم فحسب، بل تعزّز البنية التحتية الطاقوية للمعبر الحدودي والمنطقة الحرّة والمجمّعات السكنية المستقبلية. وأرى أنّ هذا المشروع يحول الصّحراء الجزائرية إلى مركز إشعاع تكنولوجي يعتمد على “التعدين الأخضر”، ممّا يعزّز قدرة الجزائر على تصدير الحديد “منخفض الكربون”، إلى الأسواق العالمية التي تفرض معايير بيئية صارمة.
– كيف سيساهم الذكاء الاصطناعي والتنبؤات المناخية المتطورة ببوزريعة في إدارة الشبكة الذكية للمنجم؟
إنّ الربط بين محطة الشمس ومنجم غارا جبيلات يتطلب إدارة ذكية تتجاوز النظم التقليدية، وهنا يبرز دور الباحثين في مركز تنمية الطاقات المتجدّدة بوزريعة مع وحداته الثلاث، من خلال تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالإنتاج الطاقوي بناء على المعطيات المناخية اللحظية. ومن المتوقّع دخول المركز الوطني للتحكّم في الشبكة حيّز الخدمة الفعلي بكامل طاقته التقنية، خلال الأيام القادمة من عام 2026.
كما تسمح هذه الأنظمة المطورة محليا بالتنبؤ بالعواصف الرّملية أو تقلّبات الإشعاع قبل وقوعها، ممّا يعطي إشارة للنظام لتفعيل تخزين البطاريات أو تحويل الأحمال بشكل استباقي. وتساهم أيضا في تطوير أنظمة الصيانة التنبؤية التي تستخدم مستشعرات ذكية للكشف عن الأعطال قبل حدوثها، ممّا يضمن استمرار تدفّق الطاقة بجهد 220 كيلو فولط دون انقطاع. هذا التكامل الرّقمي يعزّز الأمن الطاقوي للمنجم ويضمن استقرار الشبكة الهجينة، التي تجمع بين الطاقة الشمسية والتوربينات الغازية المتطورة في المنطقة.
– ما مدى جاهزية مناخ غارا جبيلات (تندوف) لمشروع الطاقة الشمسية، وما أبرز التحديات التقنية المرتبطة به؟
معطيات الدراسة المناخية التي قمت بها كباحث مختصّ في المجال، بخصوص منطقة غارا جبيلات بتندوف تظهر أنّ الموقع يتمتّع بمؤهّلات قوية جدا لاحتضان مشروع الطاقة الشمسية المزمع إنجازه. فالمورد الشمسي في المنطقة مرتفع ومستقرّ على مدار السنة، وهو ما تؤكّده قيمة الإشعاع الشمسي السنوي التي تقارب 1845 كيلوواط ساعي/المتر المربع، مع إشعاع مباشر مهم يناهز 1414 كيلوواط ساعي/المتر المربع، إضافة إلى حوالي 3697 ساعة بإشعاع شمسي فعّال خلال السنة.
في المقابل، تكشف البيانات أيضا عن طبيعة مناخ صحراوي قاس نسبيا، خاصة مع تسجيل درجات حرارة قصوى قاربت 47.95 درجة مئوية، مع متوسّط الحرارة 25.81 درجة، ومتوسّط الرطوبة 29.68 بالمائة، فيما يبلغ متوسّط سرعة الرّياح 4.16 متر/الثانية وتصل إلى 14.23 متر/الثانية. ما يعني أنّ نجاح المشروع لا يرتبط فقط بقوة المورد الشمسي، بل كذلك بقدرة التصميم الهندسي على التكيّف مع ظروف التشغيل الفعلية. ولهذا فإنّ أهمية هذه البيانات المناخية لا تقتصر على دعم قرار الاستثمار، بل تمتد إلى توجيه الخيارات التقنية منذ البداية، مثل انتقاء معدات مقاومة للحرارة والغبار، واعتماد برنامج تنظيف وصيانة منتظم يحافظ على مردودية الألواح واستمرارية الإنتاج على المدى الطويل.
– كيف تساهم مشاريع البحث العلمية في تقديم الحلول لمواجهة التحديات والحرارة ورفع كفاءة المحطة؟
تمثل البيئة الصّحراوية تحديا كبيرا بسبب ضعف نفاذ الضوء الناتج عن الغبار، وهنا تأتي مساهمة وحدة تنمية الأجهزة الشمسية ببوسماعيل، عبر تطوير نماذج روبوتية جزائرية خالصة لتنظيف الألواح. تعتمد هذه الروبوتات المطورة في مخابرنا على تقنيات ذكية لإزالة الرّمال دون الحاجة للمياه، ممّا يحافظ على استدامة الموارد المائية النادرة.وبالتوازي مع ذلك، تعمل وحدة البحث في الطاقات المتجدّدة في الوسط الصّحراوي بأدرار، على تطوير أنظمة تبريد سلبية ومواد مبتكرة لامتصاص الحرارة الزائدة، حيث تهدف هذه الدراسات لتقليل الفقد الحراري ورفع الكفاءة بنسبة 10 بالمائة إضافية، عبر استخدام الألواح ثنائية الوجه. أمّا مركز تنمية الطاقات المتجدّدة ببوزريعة ووحدة البحث التطبيقي في غرداية، فتساهمان في معايرة واختبار الأجهزة تحت ظروف الإشعاع العالي، ممّا يضمن عمرا تشغيليا للمحطة يتجاوز 25 عاما. إنّ دمج هذه الابتكارات المحلية يضمن أن تكون محطة غارا جبيلات مشروعا وطنيا بامتياز، لا يعتمد فقط على التكنولوجيا المستوردة بل على الحلول العلمية الجزائرية.
– إلى أي حدّ يشكّل مشروع محطة غارا جبيلات رافعة حقيقية لتحقيق أهداف الجزائر في الطاقات المتجدّدة وتعزيز انتقال طاقوي مستدام؟
يمثل مشروع محطة غارا جبيلات لبنة أساسية في تسريع وتيرة الانتقال الطاقوي في الجزائر، ومحطة مفصلية ضمن خارطة الطريق الوطنية التي تستهدف بلوغ إنتاج 3200 ميغاواط من الطاقات المتجدّدة بنهاية عام 2026، في أفق الوصول إلى 15000 ميغاواط بحلول عام 2035. هذا المشروع يتجاوز كونه مصدرا للطاقة ليجسّد نموذجا عمليا لإدماج الحلول النظيفة في كبرى المشاريع الصناعية السيادية، ممّا يقلّل بشكل لافت من البصمة الكربونية ويحقّق استقلالا طاقويا مستداما.
في هذا المسار، يبرز دور البحث العلمي ومراكزنا المتخصّصة في بوزريعة ووحداتها في بوسماعيل وغرداية وأدرار، كشريك تقني يرافق هذه القفزة، من خلال توطين الابتكارات وحماية المكتسبات التكنولوجية، لضمان مستقبل أخضر واقتصاد وطني متنوّع ومستدام للأجيال القادمة.







