يقدّم الفنان الخطّاط والتشكيلي نور الدين كور معرض “فن الحروفيات” برواق “الزوار آرت” يمتد من 7 فيفري إلى غاية 5 مارس المقبل، يضم 19 لوحة تشكيلية تعكس تجربة بصرية تجمع بين الدقة التقنية والرؤية الجمالية المعاصرة، يواصل الفنان من خلاله البحث في إمكانات الحرف واللون داخل فضاء تشكيلي مفتوح، حيث تتجاور الرموز والأشكال والخطوط في بناء بصري متوازن يخاطب العين والوجدان معا.
تنتمي اللوحات المعروضة إلى فن “الحروفية”، وهو الاتجاه الفني الذي يقوم على توظيف الحرف العربي داخل اللوحة التشكيلية الحديثة. وفي هذا السياق، أكد نور الدين كور في تصريحه لـ«الشعب” أن هذا الفن “يعتمد على مجموعة من العناصر، في مقدمتها الخط العربي الذي يظهر بقوة في اللوحة، إلى جانب عنصر التركيب الذي يضم رموزا مستوحاة من الزخرفة والصناعة التقليدية والأشكال الهندسية المرتبطة بتراثنا، مثل أقواس المساجد والمنارات”، مشيرا إلى أن المواد المستعملة في هذه الأعمال هي ألوان الأكريليك المائية على القماش.
وأوضح الفنان، أن دلالات الرموز الموظفة في خلفيات اللوحات “تعبّر عن هويتنا وتقاليدنا، وتدرج بشكل منظم ومدروس حتى لا تختلط العناصر على المتلقي”، حيث تشكّل هذه الرموز الأرضية البصرية التي يكتب فوقها النص. أما النصوص المختارة فهي في معظمها آيات قرآنية تحمل مضامين أخلاقية وإنسانية، مثل العلم، والأخلاق، والصبر، وحسن المعاملة، وهي قيم ـ كما يقول ـ “تخدم المجتمع وتمنح العمل بعدا روحانيا يتجاوز الزينة الشكلية”.
ومن الناحية الجمالية، تميزت هذه المجموعة بازدواجية بصرية لافتة، إذ يشعر المتلقي منذ النظرة الأولى وكأنه أمام لوحتين داخل لوحة واحدة: خلفية تشكيلية حديثة مفعمة بالألوان والرموز، تعلوها طبقات من الخطوط العربية بمختلف أساليبها. وفي هذا السياق، أشار نور الدين كور إلى أنه يستعمل عدة أنماط خطية، من بينها الثلث، والديواني، والديواني الجلي، والفارسي، مؤكدا أن “كل لوحة تتضمن أحد هذه الأساليب، في محاولة لخلق توازن بين القواعد الكلاسيكية الصارمة وروح التجريب المعاصر”.
وتعتمد التقنية المعتمدة في هذه الأعمال على الأكريليك فوق القماش، مع إدماج الحروف داخل أشكال هندسية وزخرفية، وبوفرة من الألوان الزاهية المختارة بعناية. هذا التوظيف المتقن للون يمنح اللوحات قوة بصرية وحيوية واضحة، حيث تبدو الحروف وكأنها في حالة حركة داخل فضاء مفتوح، يتجاوز البعد السكوني للكتابة التقليدية نحو بعد تعبيري أقرب إلى الموسيقى البصرية. ويعكس هذا الأسلوب خبرة الفنان الطويلة في المجال، إذ يمتد مشواره الفني لأكثر من 31 سنة، وكان أستاذا للفنون التشكيلية منذ سنة 1982.
ويرى نور الدين كور، أن فن الحروفية ليس مجرد اتجاه فني عابر، بل هو مشروع ثقافي وهوياتي بامتياز، قائلا إن “إظهار الآيات القرآنية في شكل جميل وملفت للانتباه وبأسلوب راقٍ، يساهم في ترسيخ علاقتنا بالجمال وباللغة العربية، كما يشجّع الأجيال الجديدة، خاصة الأطفال، على الاعتزاز بهذا الفن وتبنيه باعتباره جزءا من ثقافتنا وهويتنا الحضارية”. ومن هذا المنطلق، يدعو الفنان إلى ضرورة إدماج هذا الفن في الفضاء التربوي والثقافي.
ويعدّ نور الدين كور من الأسماء البارزة في المشهد الفني الجزائري والعربي، وقد توج سنة 2023 بالحصول على “الإجازة”، وهي أعلى شهادة في فن الخط في العالم العربي، تمنح من طرف كبار الخطاطين في القاهرة، ما يؤكد مكانته وإتقانه التام للقواعد الأكاديمية العريقة. كما أنجز أكثر من 1600 عمل فني، وشارك في معارض داخل الجزائر وخارجها، ونال عدة جوائز، إضافة إلى مساهمته في تأليف كتب متخصّصة حول الخط والرسم.







