الرئيس تياني يشكر الجزائر على مواقفها المشرّفـة ويصفع خصومهـا في السـاحل
تعـاون متعـدّد بعنوان «رابح- رابـح».. وربط بــين الملفـين الأمنـي والاقتصادي
إعادة تفعيـل اللجان الأمنية المشتركـة وتنسيـق استراتيجيــات مكافحـة الإرهاب
زغدودي لـ «الشعب»: مشــروع أنبوب الغاز سيشجع على التنقيب داخل النيجر نفسهـا
جاءت زيارة رئيس جمهورية النيجر، رئيس الدولة، الفريق عبد الرحمن تياني إلى الجزائر خلال الأيام القليلة الماضية لتضع إطاراً عمليا جديدا للعلاقات بين البلدين، يتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، مرتكزة هذه المرة على مصالح مشتركة دقيقة وحيوية، وقد أظهرت مخرجات المباحثات بين رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون ورئيس النيجر، توجهاً واضحاً نحو ربط الملف الأمني بالملف الاقتصادي.
لم تعد مسألة الحدود المشتركة مجرد خطوط للتماس تحتاج للتأمين، بل تحولت إلى فضاء على درجة كبيرة من الأهمية، لمشاريع استراتيجية تهدف إلى تحصين المنطقة من الاضطرابات عبر المبدأ الذي صاغته الجزائر «التنمية أولا « وتبادل المنافع، وهو ما يعكس قراءة واقعية للمخاطر والفرص في منطقة الساحل.
كان الملف الأمني بين البلدين قد أخذ اهتماما كبيرا في هذه المحادثات، نظراً لطبيعة الحدود الممتدة لأكثر من 900 كيلومتر، والتي تفرض برأي مراقبين تحديات لوجستية معقدة في ظل نشاط جماعات الجريمة المنظمة والتهديدات الإرهابية والتجارة بالمخدرات.
كما أن الاتفاق على إعادة تفعيل اللجان الأمنية المشتركة وتنسيق الاستراتيجيات يؤسس من جديد لعقيدة أمنية موحدة يفهم من خلالها بأن أمن النيجر والجزائر كتلة واحدة لا تتجزأ. ويعزز هذا التوجه بتصريحات الرئيس النيجري الذي أشار بوضوح إلى الثقة في العقيدة العسكرية الجزائرية التي ترفض استخدام أراضيها للاعتداء على الجيران، مما يغلق الباب أمام أي تأويلات خارجية كانت تراهن على وجود فجوة أمنية أو سياسية بين البلدين، ويؤسس لعمل مشترك يعتمد على القدرات الذاتية لدول المنطقة في مواجهة التحديات الأمنية بإفريقيا ومنطقة الساحل.
علاوة على ذلك، يبرز الملف الاقتصادي كعامل مهم في إعادة صياغة وبعث التعاون بين الجزائر والنيجر، وتحديداً مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي تجاوز مرحلة التخطيط إلى الجدولة الزمنية لبداية التنفيذ.
وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور زغدودي محمد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في تصريح لـ «الشعب» أن القيادة في النيجر أدركت أن مصلحتها الاقتصادية والأمنية مع الجزائر، مشيرا إلى أن مرور 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً تجاه أوروبا سيوفر مبالغ ضخمة لنيامي من العملة الصعبة كحقوق عبور، بالإضافة إلى استفادتها المباشرة من الغاز الطبيعي لتغطية احتياجاتها المحلية.
كذلك، يضيف الدكتور زغدودي بعداً تنموياً آخر، مشيراً إلى أن المشروع سيشجع على التنقيب داخل النيجر نفسها، لأن وجود الأنبوب سيجعل المكامن الغازية ذات نجاعة اقتصادية، وبالتالي فإن الفوائد لا يمكن حصرها في العائد المالي المباشر فقط. أما بالنسبة للجزائر، فيرى زغدودي أن إنجاز الأنبوب سيحولها إلى أكبر مركز إقليمي لإنتاج وإعادة توزيع الطاقة في حوض المتوسط، مما يجعل الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أكثر تماسكاً وقوة، وينعكس إيجاباً على مؤشرات الاقتصاد الكلي.
التكامل الاقتصادي أداة لتحصين الحدود
بالإضافة إلى قطاع الطاقة، ركزت الزيارة على البنية التحتية كعنصر مكمل للأمن، حيث تم الاتفاق على تسريع وتيرة العمل في الطريق العابر للصحراء ومشروع الألياف البصرية. وتهدف هذه المشاريع الهيكلية إلى فك العزلة عن مناطق الشمال في النيجر والجنوب في الجزائر، وخلق حركية تجارية تنهي حالة الركود التي غالباً ما تشكل بيئة خصبة للنشاطات غير المشروعة. والتوجه نحو إنشاء مناطق تجارية حرة وأسواق حدودية منظمة يعكس رغبة في تحويل الاقتصاد الموازي إلى اقتصاد رسمي يستفيد منه سكان المناطق الحدودية، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويدعم جهود الدولة في بسط نفوذها التنموي بدلاً من الاكتفاء بالمقاربة الأمنية الصرفة.
وفي نفس السياق، يؤكد زغدودي على الترابط الوثيق بين الأمن والاقتصاد في هذه المرحلة، حيث أشار إلى أن تأمين حدود بطول 900 كلم يحتاج إلى تنسيق عالٍ، وأن الجزائر تمتلك الإمكانات والخبرة لتحصين هذه الحدود. لكن الأهم حسب محدثنا هو الإشارة إلى أن «التحصين الآن لا يتوقف على استتباب الأمن فقط بل أصبح مرتبطاً بمشاريع اقتصادية كبرى».
وبالتالي، فإننا أمام مسار جديد ربطت فيه الجزائر أمنها وأمن النيجر عبر مشاريع عابرة للحدود تبدأ من نيجيريا وتصل إلى السواحل الجزائرية، ويجعل هذا الترابط العضوي من استقرار النيجر ضرورة اقتصادية للجزائر.
وكان رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون قد أكد خلال البيان المشترك أن بداية إنجاز أنبوب الغاز العابر للصحراء سيكون بعد شهر رمضان مباشرة، ما يؤشر على دبلوماسية عملية وبراغماتية أصبحت تميز الجزائر خلال المرحلة الأخيرة، ما يضع كل الدول التي راهنت على إضعاف علاقة الجزائر بدول الساحل في الزاوية، ويرى العديد من المتابعين أن الجزائر قد نجحت في وضع نموذج جديد للأمن والتنمية في الساحل، تحول إلى نموذج «أمن–تنمية» قابل للتوسيع نحو محيط أوسع يبدأ من نيجيريا وينتهي عند المتوسط، بما يعيد تعريف الساحل كمنطقة وصل اقتصادي، لا كساحة فراغ أمني تسعى العديد من القوى إلى ملئها على حساب شعوب المنطقة وهذا ما ترفضه الجزائر.



