خطـوة أساسيـة نحو إدارة أكــثر فعالية واستجابــة لمواكبة تطلّعات المواطنين
يشكّل تأكيد وزير الداخلية والجماعات المحلية، سعيد سعيود، على أنّ التحول الرّقمي خيار وطني استراتيجي لا رجعة فيه، ومحطة مهمة في مسار تحديث الدولة، فالأمر لم يعد يقتصر على رقمنة بعض الوثائق أو إطلاق منصات إلكترونية، بل يتعداه إلى إعادة تنظيم وتطوير عمل الإدارة العمومية، خاصة على المستوى المحلي، بما يساهم في تحسين الأداء، تسريع معالجة الملفات، تعزيز الشفافية وتقوية الثقة بين المواطن والإدارة.
أوضح الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي لـ»الشعب»، أنّ هذا التوجه يفتح آفاقا واسعة لتحسين نوعية الخدمات العمومية وتقريبها من المواطن، من خلال تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية والحدّ من التنقلات غير الضرورية، فالتحول الرّقمي لا يقتصر على الجانب التقني فقط، بل يمثل خطوة أساسية نحو إدارة أكثر فعالية واستجابة، قادرة على مواكبة تطلّعات المواطنين ودعم التنمية المحلية بشكل مستدام.
كما أضاف أيضا أنّ اعتبار الرقمنة خيارا استراتيجيا، يعني الانتقال من منطق التسيير التقليدي القائم على الإجراءات المعقدة إلى منطق إدارة حديثة قائمة على النتائج، وعلى تبسيط المسارات الإدارية وتقليص آجال معالجة الملفات، وهذا التحول، إذا تم تنفيذه برؤية شاملة، سيُحدث قطيعة حقيقية مع العراقيل الإدارية التي طالما أثقلت كاهل المواطن والمستثمر على حدّ سواء.
في نفس الإطار، صرّح قاشي أنّ إنجاح التحول الرّقمي يتطلّب تكوين الموظّفين وتزويد الإدارات بوسائل تكنولوجية حديثة وآمنة، وأكّد أنّ تعميم الرّقمنة، خاصة على المستوى المحلي، سيساعد على تقريب الإدارة من المواطن، وتحسين نوعية الخدمات، وتسهيل عمل المستثمرين، كما تمثل الرقمنة عاملا حاسما في جذب الاستثمارات، من خلال تقليص الآجال الإدارية، تعزيز الشفافية، وتوفير بيئة أعمال أكثر مرونة ووضوحا للمستثمرين.
كما أنّ تشجيع الاستثمار في هذا المجال، يقول المتحدث، سيسمح بتطوير خدمات رقمية أكثر فعالية وسرعة، ويمنح المؤسّسات بيئة عمل أوضح وأسهل، فالرّقمنة المدعومة بالاستثمار تساعد على تقليص الإجراءات المعقّدة، وتوفير الوقت والجهد، ما يرفع من ثقة المتعاملين الاقتصاديين ويحفّزهم على إطلاق مشاريع جديدة، وبذلك يصبح الاستثمار في التحول الرّقمي خطوة عملية لدعم الاقتصاد وتحقيق تنمية مستدامة.
وتابع أيضا أنّ تصريح وزير الداخلية يعكس أهمية الإدارة المحلية، التي تمثل الحلقة الأقرب إلى المواطن، وبالتالي فإنّ رقمنتها تعد المدخل الأساسي لإنجاح أي إصلاح إداري شامل، فتعميم الخدمات الإلكترونية على مستوى البلديات والولايات من شأنه أن يخفّف الضغط على المرافق العمومية، ويقلّص الطوابير، ويحدّ من التنقلات المتكرّرة، ممّا يوفّر الوقت والجهد والتكلفة.
أكّد الخبير الاقتصادي أنّ رقمنة الإدارة المحلية تساعد أيضا في جعل العمل أكثر وضوحا وتنظيما، فعندما يتمكّن المواطن من طلب الخدمة ومتابعتها عبر الأنترنت، يقل الضغط على البلديات وتختفي الطوابير الطويلة، وهذا يوفر الوقت والجهد على الجميع، كما أنّ الإدارة الرقمية تساعد على تقليل الأخطاء وتحسين تسيير الموارد، وهو ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد ويساهم في تحقيق تنمية مستدامة تخدم المواطن والمجتمع.
كما أنّ نجاح هذا المسار يعتمد على وجود بنية رقمية قوية، وأنظمة معلومات مستقرّة تعمل بدون توقف، كما يجب أن تكون الخدمات الإلكترونية متوفرة لكل خطوات المسار الإداري من البداية إلى النهاية، فلا يقتصر الأمر على مرحلة واحدة بينما تبقى باقي الإجراءات ورقية، فهذا يجعل العمل أسهل وأسرع للجميع.
بخصوص رقم التعريف الوطني، أوضح قاشي أنّ اعتماد رقم التعريف الوطني كمعرّف وحيد لربط قواعد البيانات بين الإدارات، يمثل خطوة جوهرية في بناء الدولة الرّقمية، فهذا الإجراء يسمح بالقضاء على الازدواجية، وتسريع تبادل المعلومات، وتحسين دقة المعطيات، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة القرار العمومي.
لكن في المقابل، تبرز تحديات تقنية وأمنية تتعلّق بحماية المعطيات الشخصية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتحديث الإطار التشريعي المنظم لاستعمال البيانات، فالتحول الرّقمي لا يمكن أن ينجح دون منظومة قوية لحوكمة البيانات توازن بين الفعالية والحماية، لذلك يجب تجهيز الموظفين بالأدوات المناسبة وحماية المعلومات لضمان نجاح الرّقمنة.
واستطرد قائلا: «الرّقمنة ليست مسألة تكنولوجية فحسب، بل هي قبل كل شيء مسألة كفاءات، فالجماعات المحلية تحتاج إلى تكوين واسع للإطارات والموظفين، واستقطاب مختصّين في تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب مرافقة تقنية مركزية تضمن توحيد المعايير وتبادل الخبرات، فبدون استثمار حقيقي في الرأسمال البشري، قد تتحول الرّقمنة إلى عبء إداري إضافي بدل أن تكون أداة إصلاح».
في الجانب الاقتصادي، يضيف قاشي، أنّ التحول الرقمي في الإدارة المحلية ليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لتنشيط الاقتصاد الوطني وتحسين مناخ الأعمال، من خلال تسريع الإجراءات الإدارية التي تقلّص بدورها كلفة إنشاء المؤسّسات وتشجّع المبادرة الخاصة.أمّا الأمر الثاني، فيتعلق، بحسب الخبير، بتقليص الاحتكاك المباشر بين المواطن والإدارة، ممّا يعزّز الشفافية ويحد من التعقيدات، كما أنّ الإدارة الرقمية تمنح المستثمر رؤية أوضح للآجال والمسارات والإجراءات، وهو ما يساهم إيجابيا في اتخاذ قرارات الاستثمار بثقة أكبر.
كما أنّ رقمنة المعاملات تساهم في تحسين التحصيل الجبائي، وترشيد النفقات، وتمكين الجماعات المحلية من التخطيط بناء على بيانات دقيقة، ما يرفع من مردوديتها ويعزّز استقلاليتها المالية ويمنحها قدرة أكبر على توجيه مواردها نحو المشاريع ذات الأولوية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.
وقال أيضا إنّ الجزائر تتّجه بخطى ثابتة نحو بناء اقتصاد متنوّع قائم على خلق القيمة المضافة، وهو مسار يتطلّب إدارة عصرية قادرة على مواكبة التحولات العالمية المتسارعة، فالتحول الرّقمي لم يعد مجرّد خيار تقني، بل أصبح خيارا سياديا وتنمويا يندرج ضمن رؤية شاملة تهدف إلى بناء اقتصاد تنافسي، يقوم على الكفاءة والشفافية وتحسين الخدمات.
أكّد ختاما أنّ نجاح هذا المسار يعني إدارة أكثر فعالية، واقتصادا أكثر جاذبية، وثقة أكبر بين الدولة والمواطن، فالرّهان اليوم لا يقتصر على إطلاق منصات رقمية، بل يتعداه إلى ضمان استدامة الإصلاح وترسيخ ثقافة الابتكار داخل مؤسّسات الدولة، حتى تصبح الرّقمنة ممارسة يومية ثابتة وليست مشروعا مؤقتا.




