رغم رياح العولمة وما يصاحبها من تأثيرات بنيوية لا تزال الكثير من العائلات والأهالي بولاية برج بوعريريج، متشبثة بمورثها الاجتماعي والثقافي، منها ما تباشره العائلات من تحضيرات خاصة بشهر رمضان، مع حرص الكثير من الآباء على تشجيع الأطفال على الصيام، وتمسّك العائلات بتجديد تلك العلاقة الروحية بين العبد وربه.
لاتزال الكثير من العائلات البرايجية محافظة ومتشبثة بعادتها وتقاليدها جيلاً بعد جيل، ومنها العائلات «الحشمية» بمنطقة مجانة، التي تسعى تشجيع الأطفال على الصيام، بوضع خاتم من ذهب أو من فضة في كأس من اللبن أو الماء، يقدم محتواه مباشرة للأطفال بعد قضائهم يوماً كاملا من الصيام، في إشارة رمزية إلى الصيام الأول والانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج، وهو تقليد متوارث حسب بعض الجدات والأمهات، تحمل رمزيته قيمة معنوية ودلالات تحمل النقاء والصفاء كبياض اللبن وصفاء الماء الذي يفطر عليه الطفل في يومه الأول، فيما تفضل بعض العائلات تكريم الطفل أو الطفلة الصائمة، بمكانة كبيرة في العائلة يتمّ تكريمه بهدايا أو قطع نقدية تشجيعا له وتعبيرا عن فرحة العائلة واحتفالهم بصيام الطفل الصغير.
الأواني الفخارية وطلاء المنازل
كما تحرص معظم العائلات في برج بوعريريج، مع دخول الأيام الأخيرة من شهر شعبان إلى بداية شهر رمضان على التسوق قصد شراء الأواني الفخارية الجديدة، أين تعرف محلات بيع الأواني وأسواق بيع التوابل، توافدا كبيرا للعائلات لاقتناء أواني جديدة وفخارية تعبر حسبهم عن الفأل الحسن والخير، مع الحرص على اقتناء أغطية جديدة للمائدة مخصّصة للشهر الفضيل، فيما تحرص عائلات أخرى على طلاء المنازل باللون الأبيض عشية كل شهر رمضان وهي العادة المتوارثة جيلا بعد جيل، تعبر عن رمزية استقبال شهر رمضان باللون الأبيض حسب بعض الأمهات والجدات ممن قابلتهم الـ»الشعب».
عادة متوارثة لدى سكان أهل الجافرة والمنصورة
ومع دخول الأسبوع الأول من شهر رمضان، يباشر الأهالي والسكان في القرى الشمالية بولاية برج بوعريريج، في إحياء عادة الوزيعة، وهو تأصيل متجذر لدى الكثير من العائلات، لا يزال متوارثا جيلا بعد جيل، إذ يقوم سكان وأعيان هذه المناطق وحتى الجمعيات الخيرية بجمع مبالغ مالية، لشراء عجول وذبحها وتوزيع لحومها بالتساوي على سكان المنطقة دون تمييز، تزامنا وليلة دخول شهر رمضان، قصد إشاعة مظاهر التلاحم والتآزر بين سكان القرى والمداشر والأرياف، وتأليف القلوب وصلة الأرحام، حتى تحلّ الرحمة والتآخي بين العائلات وسكان المنطقة.
فيما تفضل بعض العائلات الاشتراك في نحر أضحية واحدة واقتسامها بين عائلتين على الأكثر، تكفيهم عناء شراء اللحوم خلال الشهر الفضيل، ويتزامن ذبحها مع بداية اليوم الأول من شهر رمضان الفضيل.
حساء شربة الفريك طبقا أساسيا
كما تحرص العائلات البرايجية في مجملها على ضبط جميع الترتيبات المتعلقة بتحضير الأطباق الأساسية خلال الشهر الفضيل، منها طبق الكسكسي المقدم خلال فترة السحور، حيث تبادر معظم ربات البيوت، إلى تحضيره من خلال تضامن مجموعة من النسوة وتذهبن إلى بيت من البيوت كل يوم والانطلاق في تحضير المادة الأولية لطبق الكسكسي وتكون هذه العادة قبل شهر شعبان وتستمر إلى غاية منتصف شهر شعبان في مظهر من مظاهر التكافل بين العائلات، خاصة تلك الماكثة في البيت.
فيما تفضل بعض العائلات وربات البيوت إلى الذهاب إلى صاحب الطاحونة، والإشراف شخصيا على عملية طحن «الفريك» وفق ضوابط وشروط معينة باعتباره طبقا أساسيا لدى معظم عائلات الشرق الجزائري حيث تحرص النسوة على اختيار مادتها الأولية.
مع بداية النصفية إلى العشر الأواخر من شهر شعبان، تتأهب معظم المساجد بولاية برج بوعريريج، في استقبال شهر رمضان المعظم، يتجنّد جموع المصلين والمصليات في تنظيف وغسل السجاد وجدران المساجد وصباغتها، وتهيئة مكبرات الصوت من أجل استقبال هذا الضيف العزيز، من خلال تزيينها وتجهيزها بكل ما تحتاجه لضمان شهر كامل من العبادات دون أي نقائص، من أجل إكسابها ثوبا روحيا مميزا يليق بمكانة ومقام الشهر الفضيل، في أجواء روحانية قل ما تجده خلال أيام السنة، فيما يتجنّد بعض الشباب، طيلة الشهر الفضيل على خدمة المساجد والمصلين، خاصة خلال إقامة صلاة التراويح لنيل الأجر والبركة.
مطاعم الرحمة للإفطار.. تكافل وتآزر
إلى جانب ذلك تباشر العديد من الجمعيات والمطاعم في تأطير مطاعم الرحمة المخصّصة للإفطار الجماعي لفائدة الفقراء وعابري السبيل في مختلف أنحاء مدن ومناطق برج بوعريريج، على غرار منطقة الياشير ومنطقة سيدي مبارك، حيث تعكف العديد من الجمعيات الخيرية على تأطير هذه المطاعم وتنظيمها، فيما تفضل بعض الجمعيات توزيع الوجبات الجاهزة على مستعملي الطريق السيار شرق غرب، يشرف عليها متطوعون ومحسنون يلتزمون بتوفير مختلف الاحتياجات واللوازم من خضر وخبز ومياه وغيرها من المستلزمات من أجل التكفل بعابري السبيل والفقراء تستمر طيلة شهر رمضان الفضيل.




