طعـــم الأرض فـي كـــل ملعقــة مــن لطبــق اليومـي
تستقبل بعض العائلات الجلفاوية شهر رمضان بطريقة مغايرة، وكأنها على موعد مع رحلة تلامس الذوق والحواس. يتغير فيها كل شيء: الأكل، المكان، والأجواء. عائلات اختارت التميّز، بحثا عن تجربة رمضانية أعمق تجعل من الشهر الفضيل فرصة للعودة إلى الطبيعة، ولم الشمل، واستعادة طقوس بسيطة تشبع الذكريات وتفتح الشهية للعودة إليها في كل رمضان.
تفضل بعض العائلات الجلفاوية استقبال شهر رمضان ببرنامج خاص، بعيدا عن صخب المدينة. حيث أصبح الريف ملاذا مغريا لسكان المدينة، محولا الشهر الفضيل إلى جولة رمضانية بطابع سياحي وروحي. تمتزج فيها العادات الاجتماعية بالعبادات، وتستعاد العلاقة القديمة بالأرض والطبيعة.
بدأت هذه “الموضة” في الظهور في السنوات الأخيرة، حيث يختار البعض كسر روتين المدينة، والتوجّه في نهاية كل أسبوع تقريبا إلى الريف عند أقاربهم، بحثا عن الهدوء، والهواء النقي، وتجربة رمضانية فريدة حيث يكون الإفطار والسحور جزءا من الأجواء الطبيعية وليس محصورا في الأسواق فقط.
هناك، بين المراعي المفتوحة وأصوات الأغنام ونسيم المساء، تتحوّل الزيارات العائلية إلى طقس رمضاني متكامل. تتقاطع فيه العادات القديمة مع رغبة الجيل الجديد في استعادة البساطة والعيش وفقا لإيقاع الأرض.
يقول عبد القادر: “اكتشفت هذه التجربة بالصدفة، ودون أي تخطيط، عندما اتفقت مع صديقي على شراء خروف ونتركه يرعى في البادية عند أحد الأقارب، وسط السدر والشيح والعرعار. ومع مرور الوقت، لاحظنا الفرق”.
ويضيف قائلا: “عندما كنا نسلخ الخروف، سبقتنا الرائحة قبل أن نرى اللحم. رائحة الأعشاب الطبيعية تفوح بقوة، رائحة تجعلك تحس بكل تفاصيل البادية في اللحظة نفسها. أما الطعم، فلا يوصف، ويجعلك تريد التهامه حتى آخر قطعة” و«هذه التجربة جعلتني أكررها قبل كل رمضان مع الأصدقاء”.
حطب ونكهة أصيلة
محمد، أحد أصدقاء عبد القادر، اختار أن يجعل الأسبوع الأول من كل رمضان موعدا ثابتا للعودة إلى الريف رفقة عائلته، يقول “نقضي ساعات نتجول في الطبيعة تحت القمر والنجوم، بعيدا عن ضجيج المدينة. الهواء النقي، أصوات الأغنام، وسكون الليل.. كلها عناصر تضفي على رمضان نكهة مختلفة تماما”.
ويستطرد “قبل حلول رمضان، نذهب عند أقاربنا لزرع بعض الخضار مثل الخص، الفلفل، الثوم، الجزر، والبصل. لاحقا، يشاركنا الأطفال في قطفها”.
وبينما تنشغل النساء بتحضير مائدة الإفطار في الهواء الطلق وسط أجواء عائلية دافئة، والتي تتصدرها شربة الفريك بلحم يحمل طعم الأرض، يقول محمد “عندما توضع القدور على الحطب، تنتشر رائحة اللحم الممزوجة بالشيح والسدر في المكان. رائحة تجعل التذوق ممتعا حتى قبل الجلوس إلى المائدة. لحم الخروف الذي رعى في المراعي الطبيعية لا يحتاج إلى توابل أو منكهات صناعية. طعمه جاهز من الطبيعة”.
أما السحور، يتابع محمد “يكون بسيطا في شكله، غنيا في معناه، مع طبق الكسكس المعمول بالسمن الطبيعي، ومعه الجبن أو اللبن، وأحيانا الفول، وفي هذا السياق، يتابع محدثنا “تظهر مهارة المرأة الجلفاوية التي ورثت فن طهي الكسكس عن أمها وجدتها”.
ويستطرد “حتى الخبز لا نشتريه من المطاحن، بل نستخدم دقيق القمح الذي يعجن في البيوت لتحضير المطلوع التقليدي”.
بعد ذلك، “نصلي التراويح مع العائلة، تحت سماء صافية مرصعة بالنجوم، ثم نجلس جميعا، نتبادل الأحاديث بروح جميلة ومرحة، تتحول إلى ذكرى رمضانية تظل عالقة في الذاكرة”.
وهكذا، تتحوّل تجربة بعض العائلات الجلفاوية في رمضان الى أسلوب حياة مؤقت، تعود فيه إلى الطبيعة، وتستعيد فيه البساطة معناها الحقيقي، مبادرات تؤكد حقيقة واحدة، هي أن الإرادة حين تتوفر، تستطيع أن تصنع الجمال من أبسط التفاصيل. ومع حلول كل يوم من أيام رمضان، تزداد الرغبة في التمسك بتلك اللحظات البسيطة التي تروى كحكاية لا تنسى مع مرور الأيام.






