يشير النشاط الدبلوماسي الجزائري المتزايد في إفريقيا، ولاسيما في منطقة الساحل الإفريقي، إلى محاولة واعية وهادفة لإعادة تثبيت موقع الجزائر كفاعل محوري في معادلات الأمن الإقليمي، وإلى تشكيل بيئة إقليمية أكثر استقرارا عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية، كما يراه الدكتور حسام حمزة أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
عاد التعاون الحيوي بين الجزائر وعدد من دول جوارها القريب، ليستأنف بأكثر رغبة في التجسيد الفعلي، في مجالات تشكّل رأس التنمية الاقتصادية، وهي الطاقة والمناجم وتكوين الموارد البشرية.
ومن موقعها كرائد قاري ودولي، لا تتردّد الجزائر في تأكيد استعدادها لدعم دول مثل النيجر وبوركينافاسو وموريتانيا في هذه القطاعات، مثلما كشفت عنه الزيارات المتبادلة بينها وبين هذه البلدان منذ أواخر شهر جانفي الماضي.
ولعل أكثر الزيارات نجاحا في تاريخ منطقة الساحل الإفريقي وشمال إفريقيا، هي الزيارة التي قام بها الأسبوع الماضي رئيس النيجر إلى الجزائر، كونها شهدت اتفاقات عملية على الشروع في إنجاز مشاريع ضخمة، ظلت إلى وقت قريب تمثل حلما لكل من يؤمن بالتعاون الإفريقي.
في هذا السياق، أبرز أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، د. حسام حمزة، في تصريح لـ «الشعب»، أنّ البعد الثنائي لعلاقات الجزائر والنيجر يوضع في إطار تحولات أوسع تشهدها المنطقة، والتي بموجبها تعيد دول الساحل صياغة شراكاتها الخارجية وتبتعد تدريجيا عن النفوذ التقليدي للقوى الغربية، خاصة بعد الأزمات السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدتها كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
في هذا السياق، قال المحلل السياسي حسام حمزة إنّ الجزائر، ومن منطلق دورها الطبيعي في المنطقة، تملأ جزءا معتبرا من الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه تراجع الحضور الفرنسي والأوروبي التقليدي في الساحل، لافتا إلى أنّ التحركات الدبلوماسية والاقتصادية، وخصوصا في قطاع الطاقة، تعكس مقاربة جزائرية تقوم على تقديم نفسها كشريك إقليمي موثوق، قادر على توفير بدائل واقعية للدعم الغربي، سواء من خلال مشاريع البنية التحتية الطاقوية أو عبر آليات الوساطة السياسية والأمنية.
بالنسبة للأستاذ حسام، فإنّ توطيد العلاقات مع النيجر تحديدا يحمل دلالات متعدّدة، لأنّ هذا البلد يمثل عمقا جيوسياسيا مباشرا للجزائر، وأي اضطراب فيه ينعكس على الأمن الحدودي الجزائري، لذلك يرى أنّ تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقوي مع نيامي يندرج ضمن مقاربة وقائية تهدف إلى تثبيت الاستقرار في الجوار المباشر بدل الاكتفاء بردود الفعل الأمنية.
كما يعكس الحضور الجزائري في مشاريع الطاقة داخل النيجر، يضيف المتحدث، محاولة لتحويل الاعتماد الأمني إلى شراكات تنموية طويلة الأمد، وهو ما يتماشى مع الخطاب الجزائري التقليدي حول أولوية الحلول الاقتصادية للأزمات الأمنية في الساحل.
من زاوية أخرى، يرى الأستاذ حسام أنّ هذا النشاط الدبلوماسي يكشف سعي الجزائر إلى استعادة دور الوسيط الإقليمي، خاصة في ظل تراجع أدوار بعض القوى الإفريقية التقليدية وانشغالها بأزماتها الداخلية.
كما ذكر في هذا الصدد، أنّ الجزائر تمتلك رصيدا تاريخيا في الوساطات، كما حدث في اتفاق الجزائر للسلام في مالي، وتسعى اليوم إلى توظيف هذا الرصيد لتعزيز مكانتها داخل المنظومة الإفريقية، خصوصا في ظل النقاشات الجارية داخل الاتحاد الإفريقي، حول مقاربة «الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية».
في هذا المشهد المتغير، تحاول الجزائر أن تحافظ على قدر من الاستقلالية الاستراتيجية، يقول المحلل، وذلك عبر بناء شبكة علاقات إقليمية متماسكة تمنحها هامش مناورة أكبر في مواجهة الضغوط الخارجية، ليخلص إلى أنّ توطيد العلاقات الجزائرية مع النيجر وباقي دول الساحل يشير إلى تحول من دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية المبادرة.
فالجزائر بقدر ما تتابع تطورات المنطقة من منظور أمني، بقدر ما تسعى إلى تشكيل بيئة إقليمية أكثر استقرارا عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية، وهو ما يعكس إدراكا متزايدا بأنّ أمنها القومي يبدأ من استقرار جوارها الإفريقي، وإذا ما استمرت هذه المقاربة، فقد تتحول الجزائر إلى أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في إعادة تشكيل التوازنات في الساحل خلال السنوات المقبلة.



