أكّدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أنّ المملكة تشهد قمعا غير مسبوق للحركات الاحتجاجية، خاصة مناضلي الحركة الشبابية، مبرزة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
في بيان لها، بمناسبة الذكرى 15 لانطلاق حركة 20 فبراير، واليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، قالت أكبر جمعية حقوقية في المغرب، إنّ “المطالب التي رفعتها حركة 20 فبراير لا زالت قائمة ومتجدّدة، وهي ما يلهم مختلف الحركات الاحتجاجية المتواصلة بالبلاد، وضمنها حراك الريف والحركة الشبابية”.
أبرزت في السياق: “ما تشهده البلاد من قمع غير مسبوق لمناضلي الحركة الشبابية، وما خلّفته الفيضانات الأخيرة من خسائر وتهجير لسكان عدة مناطق ومدن، بالإضافة إلى معاناة ضحايا زلزال الحوز القابعين في الخيام تحت رحمة الطقس في انتظار الذي لا يأتي”.
كما أكّدت أنّ “الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد لا تكف عن التدهور والتردي بالنسبة للسواد الأكبر من المواطنين، الذين ما انفكوا يكابدون الويلات بسبب البطالة والطرد من العمل، ويعانون الأمرين جراء استشراء الفقر المدقع والهشاشة، وضعف الحماية الاجتماعية، وغياب التوزيع العادل للثروة، وتعمّق الفوارق الاجتماعية، وتسارع عمليات خوصصة خدمات المرافق العمومية”.
بهذه المناسبة، جدّدت الجمعية التأكيد على أنّ إقامة عدالة اجتماعية مشروط بإقرار تنمية فعلية ومستدامة، وهو ما لا يتأتى إلا بإرساء أسس ديمقراطية حقيقية تحتكم لسيادة الشعب المغربي وتعترف بحقه في تقرير مصيره في كافة المجالات.
إلى ذلك، شدّدت على أنه “لا سبيل للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ما لم يتم القطع مع الريع، والحد من الفساد وتبديد المال العام وهدره، والاستئثار بالثروات الطبيعية، والاستحواذ على الأراضي وتفويتها لمافيا العقار”.
وفي ختام البيان، طالبت الجمعية، بوقف المتابعات والمحاكمات الجارية في حق الشباب المناضل، وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم معتقلو حراك الريف، مؤكّدة التزامها بالدفاع الثابت عن المطالب الجوهرية لحركة 20 فبراير، وبدعم كل الحركات والاحتجاجات الشعبية، المناضلة في مختلف المناطق ضد الفساد والاستبداد، والمطالبة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ملهمة للحركات الاحتجاجية الجديدة
هذا، وقد غلبت على التدوينات التي واكبت الذكرى الخامسة عشرة لحركة 20 فبراير، التي انطلقت في 2011، نبرة الحنين إلى تلك المرحلة، كما ربطت التدوينات بينها وبين “حراك الريف” في 2016 و«حراك جرادة” في 2017 وحركة “جيل زاد” التي استعادت في الخريف الماضي روح الاحتجاج بطريقتها الخاصة، معتمدة أساسا على وسائل التواصل الاجتماعي، ومندفعة إلى الشارع رافعة نفس المطالب، لكنها للأسف الشديد تمّ قمعها من طرف السلطات الأمنية المخزنية واعتقال مئات الشباب المشاركين فيها.
تخليد الذكرى لم يمرّ مرور الكرام، حيث دعت عدة هيئات حقوقية وسياسية إلى إحياء المناسبة تحت شعارات ترتبط بالكرامة والعدالة الاجتماعية وتوسيع فضاء الحريات.
نفس المطالب ما زالت قائمة
توزّع برنامج الذكرى بين وقفة أمام مقرّ البرلمان في العاصمة الرباط، دعت إليها “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، ووقفات ومسيرات رمزية في مدن أخرى بتنظيم من تنسيقيات محلية وهيئات يسارية. وواصلت الشعارات المرفوعة، إلى حدّ بعيد، ما بدأه جيل الاحتجاجات الجديدة، مركّزة على ملفات غلاء المعيشة والحريات العامة، والمطالبة بإطلاق سراح معتقلين على خلفية قضايا احتجاجية، مع التأكيد على أنّ جوهر مطالب 2011، وفي مقدمتها محاربة الفساد والاستبداد، ما يزال مطروحًا في النقاش العمومي.
تأتي ذكرى هذا العام في ظلّ استمرار النقاش حول غلاء الأسعار وتداعيات التضخّم على القدرة الشرائية، إلى جانب بروز تحولات رقمية عميقة غيرت أنماط التعبئة والاحتجاج. كما تبقى ملفات حقوقية حاضرة، سواء من خلال إثارة قضايا مرتبطة باحتجاجات شبابية حديثة، أو عبر المطالبة بتعزيز ضمانات الحريات العامة وفعالية الوساطة السياسية.
على بعد خمسة عشر عاما من انطلاقها، يستحضر الفاعلون الحقوقيون الحركة التي تزامنت مع ما سمّي بـ “الربيع العربي، والتي انطلقت يوم 20 فبراير 2011 بدعوة من شباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رافعة مطالب كبرى من قبيل دستور ديمقراطي واستقلال القضاء ومحاربة الفساد والريع.
لكن الإصلاحات الدستورية والمؤسّساتية الشكلية التي أعلنها النظام المخزني، كانت مجرّد إجراءات ظرفية لتفادي الانهيار، إذ لم يتغيرّ شيء في واقع المغاربة الذين يعيشون ظروفا اجتماعية واقتصادية صعبة، أدّت إلى تنامي فجوة الثقة بين الشباب والمؤسّسات، خاصة وأنّ النظام المخزني يراهن دوما على نهج استراتيجية أمننة متشدّدة لصدّ المطالب الشعبية المشروعة الواجب التعامل معها بمنطق مختلف.
من ناحية ثانية، رصد تقرير حقوقي جديد، تصاعد القمع الممنهج ضد الناشطات والمناضلات في المغرب، وتزايد الانتهاكات ضدّ الحقوقيات اللّواتي يناضلن من أجل الحرية والكرامة والعدالة، مسجّلا استغلال القضاء من أجل الانتقام منهن بسبب مواقفهن المعارضة لسياسيات النظام الفاسدة والمستبدة.
حذّر التقرير الصادر عن مجموعة “الشابات من أجل الديمقراطية” تحت عنوان: “السلطة والهيمنة: خرائطية الانتهاكات ضدّ المدافعات عن حقوق الإنسان” في المغرب خلال عام 2025، من “تنامي أنماط القمع متعدّد الأبعاد”، الذي يستهدف ناشطات ومناضلات في مجالات الحريات العامة وحقوق النساء والعدالة الاجتماعية.


