الخــط الشرقــي.. دعامــة استراتيجيــة لإرســاء الإنصاف التنموي
أكد البروفيسور مراد كواشي، أستاذ جامعي وخبير اقتصادي، أن مشروع الخط المنجمي الشرقي الممتد على مسافة 422 كلم يشكل دعامة استراتيجية حقيقية بأبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة، بالنظر إلى ارتباطه العضوي بمشروع الفوسفات المدمج، وما يحمله من انعكاسات مباشرة على التنمية الوطنية والتوازن الجهوي.
وأوضح الخبير في تصريح خص به «الشعب» أن الحديث عن مشروع الفوسفات المدمج لا يمكن أن ينفصل عن عصرنة وازدواجية وتصحيح مسار الخط المنجمي الشرقي، باعتباره الشريان اللوجستي الذي سيضمن نقل المادة الخام في ظروف آمنة وبتكلفة أقل، تمامًا كما يمثل الخط المنجمي الغربي ركيزة أساسية لمشروع غارا جبيلات.
وأضاف أن أهمية هذا الخط بالنسبة لمشروع الفوسفات تعادل أهمية البنية التحتية المنجمية في الغرب، ما يجعل منه مشروعًا مهيكلاً بامتياز.
وأشار البروفيسور كواشي إلى أن انطلاق الخط من عنابة مرورًا ببوشقوف، تبسة، جبل العنق وصولاً إلى بلاد الحدبة، يمنحه بعدًا اقتصاديًا مزدوجًا، إذ لا يقتصر دوره على نقل المواد المنجمية، بل سيسمح كذلك بنقل آمن للركاب والبضائع، ما يعزز الحركية الاقتصادية ويخلق ديناميكية تنموية جديدة في كامل الشريط الشرقي الحدودي.
وبحسب المتحدث، فإن الأثر المباشر لهذا المشروع على الفوسفات المدمج يتمثل في تقليص تكاليف النقل وتحسين كفاءة سلسلة الإمدادات، وهو ما سينعكس مباشرة على تكلفة المنتوج النهائي. وأكد أن تخفيض تكلفة النقل يعني تعزيز تنافسية الفوسفات الجزائري في الأسواق الدولية، حيث سيصل المنتوج الوطني بأسعار أقل، ما يمنحه أفضلية أمام المنتجات المنافسة، خاصة في ظل احتدام المنافسة العالمية على سوق المعادن.
واعتبر الخبير أن المشروع يكرس ما وصفه بـ»الإنصاف التنموي»، موضحًا أن الاستثمارات الكبرى في السكك الحديدية التي شهدها غرب البلاد خلال السنوات الماضية، على مسافات تجاوزت 950 كلم، تستوجب اليوم استدراك الفارق تنمويًا في الشرق، لا سيما بالولايات الحدودية التي عانت لعقود من العزلة وضعف الاستثمارات، مفيدا أن الخط المنجمي الشرقي سيضع هذه المناطق في صلب الخريطة الاقتصادية الوطنية، ويحولها إلى أقطاب صناعية مستقبلية.
وفي هذا السياق، شدد البروفيسور كواشي على ضرورة عدم الاكتفاء بتصدير الفوسفات كمادة خام، انسجامًا مع التوجه الوطني الرامي إلى تثمين الموارد الطبيعية محليًا. وأبرز أن تكرير الفوسفات يمكن أن يتيح استخراج ما بين ست إلى سبع مواد مشتقة، تستعمل في الفلاحة، والصناعة، والطب، وحتى بعض الاستخدامات الأخرى، ما يرفع القيمة المضافة ويضاعف العائدات بالعملة الصعبة.
وأضاف أن المشروع سيسمح بخلق نحو 12 ألف منصب عمل مباشر، إضافة إلى آلاف المناصب غير المباشرة، سواء في أنشطة المناولة أو الخدمات أو الصناعات التحويلية المرتبطة بالفوسفات، كما سيسهم في تحسين بيئة الأعمال وجذب استثمارات جديدة، بفضل توفر بنية تحتية حديثة ومتكاملة تشمل السكة الحديدية، وميناء عنابة الذي يشهد بدوره عمليات توسعة ليتماشى مع المعايير الدولية.
وفي ما يتعلق بالبعد الحدودي، أشار الخبير إلى أن تموقع الخط بمحاذاة الحدود مع تونس يمنحه أهمية إضافية، خاصة في ظل التوجه نحو رفع حجم المبادلات التجارية الثنائية، وإمكانية إنشاء منطقة حرة مستقبلًا.
واعتبر أن توفر ميناء عنابة، إلى جانب شبكة سكك حديدية حديثة، قد يحول المنطقة إلى قطب تجاري إقليمي نشط، ما سينعكس إيجابًا على حياة المواطنين من حيث تسهيل التنقل وخفض تكاليف النقل وخلق فرص عمل جديدة.
وقارن البروفيسور كواشي بين الأثر المنتظر للخط المنجمي الشرقي المرتبط بمشروع الفوسفات، ونظيره الغربي المرتبط بغارا جبيلات، مؤكدًا أن المشروعين يتقاطعان من حيث الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية، فكلاهما يقام في مناطق حدودية كانت تعاني من ضعف التنمية، وكلاهما يهدف إلى إدماج هذه المناطق في الدورة الاقتصادية الوطنية وتحقيق التوازن الجهوي.
وأشار إلى أن احتياطات الفوسفات المقدرة بـ840 مليون طن، والتي تكفي لعقود طويلة، إلى جانب قدرة إنتاج سنوية تصل إلى 10.5 ملايين طن، تجعل من الجزائر فاعلًا محوريًا في سوق الفوسفات العالمي، خصوصًا في ظل ما يشهده العالم من تنافس حاد على المعادن الاستراتيجية.
ومن الناحية السياسية والأمنية، يرى الخبير أن التركيز على تنمية المناطق الحدودية يعكس تحولًا في المقاربة التنموية للدولة، التي باتت تولي أهمية خاصة لربط الأمن بالتنمية، إذ إن تعزيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص الشغل في هذه المناطق يشكل صمام أمان اجتماعيًا، ويكرس حضور الدولة بمشاريع ملموسة تعيد الاعتبار للمحيط بنفس درجة الاهتمام بالمركز.
وأكد البروفيسور مراد كواشي أن ضمان الاستدامة الحقيقية لعوائد الخط المنجمي الشرقي ومشروع الفوسفات المدمج يمر حتمًا عبر الإسراع في تجسيد مشاريع صناعية لتحويل الفوسفات محليًا، وعدم الاكتفاء بتصديره في شكله الخام، موضحًا أن تثمين هذه المادة على المستوى الوطني كفيل برفع قيمتها المضافة، وخلق مناصب شغل دائمة، وتعزيز مردودية الاستثمار في البنية التحتية السككية، بما يحقق تكاملًا فعليًا بين الاستخراج والنقل والتحويل.
كما شدد على أن فتح المجال أمام شراكات بين القطاعين العمومي والخاص، وكذا المستثمرين الأجانب، سيمكن من إقامة وحدات صناعية قادرة على إنتاج مشتقات الفوسفات الموجهة للفلاحة والصناعة والطب، الأمر الذي يعزز تنويع الصادرات خارج المحروقات ويؤسس لتحول هيكلي في الاقتصاد الوطني نحو اقتصاد منجمي وصناعي أكثر تنافسية وتوازنا.




