مع حلول شهر رمضان، تلوح الاحتفالات في الأفق بمختلف قرى ومداشر منطقة جرجرة، التي اكتست مجددا بثوب العادات والتقاليد، في زمن العصرنة والتقدم الذي أسدل بستاره على كل ما هو تراث شعبي، إلا أن شهر رمضان الكريم جمع الماضي بالحاضر، في أجواء مبهجة وسعيدة، أعادت بريق ورونق العادات والتقاليد التي توارثتها الأجيال عبر الزمن.
شهر رمضان الفضيل يعتبر المرآة العاكسة للمجتمع المحلي، الذي ما يزال سكانه يحتفظون بالعادات والتقاليد، والتي وإن اندثرت العديد منها أو تغيرت في عدة مناطق، إلا أنها ما تزال حية بين أوساط السكان في عدة قرى، هذه الأخيرة التي تستعيد رائحة العادات والموروث الشعبي، الذي يتجسّد جليا في مظاهر استقبال شهر رمضان في أول أيامه.
تعتبر مظاهر تجديد أواني المطبخ من العادات التي ما تزال باقية ومستمرة ولم تتغيّر، رغم تغير الأجيال وتعاقب السنوات، وبالرغم من تغير نوعية وأشكال الأواني المستعملة في المطبخ، إلا أن الأواني الفخارية ما تزال تحتفظ بمكانتها وسط عائلات المنطقة، حيث تسارع النسوة قبل حلول شهر رمضان بأيام قليلة إلى اقتناء مختلف الأواني الفخارية ذات الصنع التقليدي، وهو الأمر الذي حدّثتنا عنه السيدة “شعوان فاظمة”، التي عادت بذاكرتها إلى أيام صباها، لتروي لنا ما بقي عالقا في جعبتها رغم كبر سنّها، حيث أخبرتنا أنهن كنّ يقصدن الحقول قبل أشهر من حلول شهر رمضان لجلب الطين المستعمل في صناعة الأواني الفخارية، هذه الحرفة التي توارثتها النساء عبر الأجيال من الجدات والأمهات، ليقمن بصناعة أجمل التحف التقليدية التي يزينّ بها مطابخهن، ويتفاخرن فيما بينهن في صناعة هذه الأواني التي تستعمل في تحضير ألذ الأطباق التقليدية، حيث أشارت إلى أنّه لا يخلو منزل من هذه الأواني الفخارية، خاصة قدر الشربة، فلا يحلو هذا الطبق إلا في هذا القدر.
النا فاظمة أكّدت لنا أنه ورغم مرور السنوات، إلا أن هذه الأواني الفخارية ما تزال متوفرة في كل المنازل، وبالرغم من أنه لم تعد جميع العائلات يصنعن هذه الأواني، إلا أن هناك نساء احتفظن بهذه الحرفة، ويقمن بصناعة مختلف الأواني التي تتسابق النسوة لاقتنائها قبل شهر رمضان، وهذا ما زاد من جمال التحضيرات لشهر رمضان الكريم، وحافظ على الخصوصية التقليدية للمنطقة، وعلى عادات وتقاليد الأسلاف المترابطة فيما بينها، في إشارة منها إلى عادة تنظيف المنزل وتغيير الطلاء، وذلك استبشارا بحلول ضيف عزيز على القلوب، يجمع بين الماضي والحاضر في أجواء مميزة.
ثيمشرط مـوروث شعبـي يعـزّز أواصر التّكافــل الاجتماعــي
تشهد العديد من قرى منطقة جرجرة أجواء مميزة قبيل حلول شهر رمضان، وذلك من خلال إحياء عادة الوزيعة “ثيمشرط”، هذه العادة التي تعتبر موروثا شعبيا يتغلغل في الثقافة الأمازيغية، والتي تعود في مختلف المناسبات، خاصة شهر رمضان، لما لها من أبعاد اجتماعية وثقافية وإنسانية وروحانية، تتجسّد من خلالها مظاهر التكافل والتضامن الاجتماعي، والتي تكمن في توزيع اللحم على جميع العائلات في القرية، حيث يتساوى الفقير والغني.
هذه العادة صرّحت بشأنها النا فاظمة أنّها متجذّرة في حياة الأسلاف، وتوارثتها الأجيال عبر السنين، حيث يتم الإعداد لها قبل أشهر من حلول شهر رمضان، أين يجتمع أهل القرية من أجل جمع التبرعات والأموال، وفق مبلغ مالي تحدّده “ثاجماعث” للفرد الواحد، وذلك لاقتناء العجول، مشيرة إلى أن العائلات الفقيرة تستثنى في بعض الأحيان من دفع هذه الأموال، وتتكفل العائلات الميسورة الحال بالدفع عنها، وهذا لتشمل الفرحة والبهجة ويعم الخير كافة أهالي القرية.
النا فاظمة كشفت لنا أنّ عادة تيمشرط يختلف وقت إحيائها من قرية إلى قرية، فهناك قرى تقوم بتنظيمها وذبح العجول في ساحة القرية أياما قليلة قبل شهر رمضان، وبعدها يوزّع اللحم على العائلات من أجل البدء في التحضير لاستقبال هذا الضيف، في حين تفضّل قرى أخرى تنظيمها عشية شهر رمضان، وهذا للسماح للعائلات بتحضير طبق الشربة بلحم الوزيعة في أول يوم من شهر رمضان، وذلك في أجواء تبعث على التسامح، والتأمل في القيم الروحية العميقة لقدوم شهر رمضان.
صوم الأطفال..عادات تورث قيم الدين السّمح والأخلاق الرّفيعة
إنّ التّحضيرات لاستقبال شهر رمضان الكريم في منطقة جرجرة تمس العديد من الجوانب، فلا يقتصر الأمر على الجوانب المادية فقط، وإنما يغوص في المعاني الحقيقية لحلول هذا الضيف العزيز في نفوس المؤمنين، والذي يعتبر امتحانا حقيقيا لاختبار الصبر عند الصائم، وهذا ما أكّدته لنا “فاظمة شعوان”، حيث روت لنا إحدى العادات التي ما تزال راسخة في أذهان سكان العديد من قرى منطقة جرجرة، وهي إعداد الأطفال لصوم شهر رمضان كاملا، بعد أن كانوا في السنوات التي سبقت يصومون بعض الأيام فقط، خاصة ليلة القدر التي تكون الانطلاقة الأولى للصيام عند الأطفال، ولكن في منطقة جرجرة لا يترك الفتى أو الفتاة الصغيرة على هواهما من أجل صيام الشهر كاملا، حيث يقوم كبير العائلة أو شيخ الجامع بإجراء اختبار للطفل أو الطفلة لقياس مدى بلوغهما للصيام، وذلك باستعمال خيط يقيس من خلاله المسافة من إصبع يده الأوسط إلى المرفق، وبعدها يتم ربط طرفي الخيط ويمرر من الرأس إلى الرقبة، فإذا مر الخيط فهي إشارة للبلوغ، ويفرض عليه صيام الشهر كاملا، لأنه أصبح باستطاعته فعل ذلك، كما يتم تحضيره لتحمل المسؤولية في المستقبل.
صيام الطفل لشهر رمضان كاملا يعتبر حدثا هاما داخل العائلة، ويختص بطقوس وعادات تبقى عالقة في ذاكرة الطفل، الذي يعيش يوما رائعا يكون فيه العريس أو العروسة، من خلال ارتداء أجمل الملابس التقليدية التي يتم اقتناؤها له، على أن يلبسها في أول يوم من شهر رمضان، ويختص بفطور خاص به يتناوله في أعلى مكان بالمنزل، كما يرتشف سبع رشفات من الماء، بعدها يتم إنزاله على أن يتناول أهل المنزل من القصعة التي أفطر منها، وسط الدعوات له بالخير وأن يكون خير خلف لخير سلف، وأن يتبع طريق الهداية والأخلاق الرفيعة، كما تقدم له الهدايا لتكون شاهدة على أجمل لحظات حياته في رحاب شهر رمضان.
قُدسيـــة روحـيـة
العادات والتقاليد التي تزيّن أجواء شهر رمضان في منطقة جرجرة لا تلغي الجانب الروحي لهذا الضيف العزيز، وإنما تضفي عليه رونقا وجمالا خاصا يليق بقيمة هذا الشهر الذي اختزل في طيّاته أبعادا مقدّسة، تجملت بصور الإنسانية والتآخي والتكافل الاجتماعي، وتزينت بنفحات وتعاليم الإسلام التي تصدح عاليا من منابر مساجد وزوايا منطقة جرجرة، التي تشع نورا من أضواء شهر رمضان.





