تطبيقـات نظريـــة أفعـال الكلام وتأثيرهــا على الخطـــاب الإقناعـي
يستعرض كتاب «آليات الحجاج وسلطة الإقناع في تداول الخطاب»، الصادر حديثا للدكتور حسين مصابيح، تطوّر اللسانيات التداولية وأهميتها في فهم اللغة أثناء الاستعمال ضمن سياقاتها المختلفة. ويناقش المؤلف التفاعل بين القوة الإنجازية والحجاج والإقناع في الخطاب، مركزا على تطبيقات أفعال الكلام والنظريات الحجاجية. كما يحاول توضيح المفاهيم المختلفة المتعلقة بالتداولية والحجاج، مع التركيز على ضرورة إعادة النظر في الترجمات والمصطلحات المتداولة لتوحيد الفهم الأكاديمي حول هذه المواضيع.
من الكتب الجديدة في مجال الدراسات الأدبية، كتاب «آليات الحجاج وسلطة الإقناع في تداول الخطاب» للدكتور حسين مصابيح.
يركّز الكتاب الصادر عن دار «ألفا للوثائق» بعنوان السنة الجارية 2026، على دراسة «القوة الإنجازية» في اللسانيات التداولية، حيث يناقش، في صفحاته 284، كيفية تحقيق الفعل الكلامي لأهدافه التواصلية من خلال تحويل المقاصد إلى أفعال حقيقية، مع التركيز على تطبيقات نظرية أفعال الكلام وتأثيرها على الخطاب الإقناعي.
يهدف الكتاب إلى إعادة نشر وتبسيط مجمل القضايا النظرية الواردة في العنوان، من أجل الخروج بتصور مفهوم وواضح للتداولية والحجاج وتطبيقاتهما الإقناعية في الخطاب. ويعّبر الكاتب عن قناعته بأن التداولية والحجاج، على رغم التعامل الواسع معهما، واهتمام الباحثين الكبير بحيثياتهما، ما تزال تغشاهما من الضبابية ما يجعل منهما «شيئا مبهما يبدو لنا أنّه مفهوم في حين لانقدر على الغوص والتماهي مع جزئياته وحيثياته».
ونجد الكتاب مقسّما إلى مدخل تناول الدرس التداولي ومفاهيمه، كتوطئة معرفية استباقية تمهد لما يليه، وهو بدوره مجزّء إلى مباحث (التداولية وعلوم اللغة، الخلفية الفلسفية والفكرية للتداولية، فروع التداوليات اللسانية، السلالم والروابط الحجاجية). ثم يأتي فصل أوّل يتناول مفهوم القوة الإنجازية في اللسانيات التداولية، وتتطرق مباحثه إلى نظرية الأفعال الكلامية، والقوة الإنجازية للفعل الكلامي، مفهومها، مميّزاتها وضوابطها، والعلاقات الدلالية للأفعال الإنجازية. ويليه فصل ثانٍ يعالج مفهوم سلطة الإقناع في النظريات الحجاجية، وتضمّن مباحث هي: الحجاج واللغة، والإقناع مبادئه وأساليبه البلاغية، واستراتيجيات الإقناع وعوامل تأثيره، والحجاج والإلزام وحجة السلطة.
وفي مقدمة كتابه، يرى الدكتور مصابيح أن العلوم اللسانية ظلّت، بمختلف اتجاهاتها ومدارسها، مُوجِّهة جهودها نحو التواصل، على الرغم من الاختلافات التي شهدتها طوال عقود من الزمن، والتداخلات التي عرفتها مع الكثير من العلوم النقلية والأدبية والبلاغية وغيرها.
وقد ابتدر الباحثون والمهتمون اللسانيات انطلاقا من اتجاهين بارزين، يقول مصابيح، أوّلهما عربي تمثل في فقه اللغة والنحو والصرف والبلاغة والمعجم وتطبيقاتها في الشعر والنثر، وثانيهما غربي التفت إلى النظام اللغوي فاصلا إيّاه عن سياقه التواصلي الاجتماعي، لدرجة أنّه اصطدم بجدار صلب أوقفه عن المُضِيِ قُدما تماما، مما جعل الكثير من الباحثين يفكرون في مخرج ينقذ اللسانيات الشكلانية البنيوية من أزمتها وانغلاقها على نفسها. ونظرا لكون اللسانيات تدرس اللغة البشرية، كان لزاما عليها أن تراعيها في جانبها الأساس وهو التواصل الاجتماعي، وبالتالي العودة من جديد إلى السياق الذي كانت قد عُزلت عنه من قبل.
وهنا فقط برز إلى مضمار البحث «الاتجاه التواصلي»، الذي اهتم بدراسة اللغة من خلال منجزها اللفظي في سياقاته المحددة، واعتمد في ذلك على مناهج علمية عديدة يتقدمها تحليل الخطاب بشقيه النسقي والسياقي، واللسانيات النفسية، واللسانيات الاجتماعية، واللسانيات التداولية.
ويؤكد الكاتب أن ما يعنيه في كتابه/بحثه هذا، هو اللسانيات التداولية بدرجاتها الثلاث، المستلهمة من نظريات التلفظ، والحجاج، وأفعال الكلام، وهي بذلك تداوليات وليست تداولية واحدة، وتعد من أحدث العلوم اللغوية التي ظهرت وبانت على صعيد الدرس اللغوي الحديث والمعاصر، إذْ تجاوزت ما ظلّت كلّ من اللسانيات البنيوية والتوليدية التحويلية تقوم بدراسته من توصيف لنظام اللغة في جانبها الشكلي النسقي لدى البنيويين، والتعمق في مقتضيات النفس البشرية لدراسة الملكة اللسانية ككفاية وأداء لدى التوليديين التحويليين، تجاوزت كل ذلك لتهتم بدراسة اللغة أثناء الاستعمال، وفقا لمقتضيات الحال وضمن أسيقتها المختلفة.
ومع ذلك، يلاحظ مصابيح، لا يمكن القول إنّ التداوليات كاتجاه قد اكتملت نضجا وبحثا، بل إنها ما تزال تحتاج إلى جهد وعمل دائبين، لا سيما ضمن الدرس العربي، وهذا ما يبرر الاهتمام المتزايد لدى الباحثين حول هذا الحقل الخصب الذي اعتمد في قدومه إلى الجامعات العربية على جهود ومبادرات «بعض المترجمين الذين يُعدُّون على رؤوس الأصابع، ويحتاجون إلى دعم أكبر كي تكون لهم القدرة على العمل الدؤوب والمركز حول مجالات وتشعبات هذا الحقل الحيوي، الذي لا يمكنه أن ينبني ويتوسع إلى آفاق تضاهي أفقه في مواطن نشأته إلا بجهود حثيثة وصارمة».
لذلك، عمل صاحب الكتاب على البحث والاستقصاء في هذا المجال، مركّزا على مجموعة من القضايا التداولية المترابطة والمتكاملة مع بعضها البعض، وهي «القوة الإنجازية ـ الحجاج ـ الإقناع – سلطة الإقناع ـ التداولية ـ أفعال الكلام ـ الخطاب»، وذلك من أجل تحقيق وإثبات حركية الحجاج ضمن الأساليب الخطابية. وعمد مصابيح إلى البحث في مصطلح القوة الإنجازية، ومعناه «قوة الأداء باللغة»، «والذي يتأتى بترجمة مقصدية «الباث» إلى فعل حقيقي، أو إنجاز ما، نعزوه إلى الفعل الكلامي، ومنه فالقوة الإنجازية متعلقة بنظرية أفعال الكلام وتطبيقاتها، وهي نظرية لا يمكنها أن تنسلخ عن نظرية الحجاج، الحجاج الذي يوحي بالجدل في القاموس العربي، ويهدف إلى الدفاع عن أطروحة أو قضية باستخدام الحجج والبراهين، ويرمي إلى إقناع المتلقي بذلك، بل ويتطلّع إلى انخراطه في القضية والطرح»، يؤكد مصابيح.
وبذلك، أصبح للإقناع سلطة قائمة بذاتها، ليست سلطة ردع بقدر ما هي سلطة حجة وتفنن في الإبلاغ، موطنها الخطابة وأدعياؤها الخطباء، ووسيلتها اللغة، ولن تكون هناك سلطة حقيقية للإقناع ما لم تقم لها قائمة الحجاج مستقيمة ومستندة إلى أدوات تداول الخطاب، يضيف المؤلف.
«ومن هنا تتبيّن أهمية البحث وقيمته العلمية والمعرفية التي تروم التوحيد والمواءمة بين سيل جارف من البحوث الأكاديمية في خضم التداوليات والحجاج»، يؤكّد مصابيح، وذلك من حيث المفاهيم والمصطلحات التي اختلفت وشكّلت نوعا من الفوضى والضبابية على الأفهام، والسبب هو اعتماد الباحث على مصادر مختلفة من الترجمات المنفردة التي ما تزال تحتاج إلى تنقيح ومراجعة حتى تتمكن من الإلمام بالأفكار التي عكف على نقلها إلى العربية.







