صدر للدكتورة سهام حشايشي كتاب جديد بعنوان «التفاعل الأجناسي بين الرواية العربية والأدب الشعبي» في دراسة نقدية، تسعى إلى تفكيك طبيعة العلاقة بين الرواية العربية الحديثة ومختلف أشكال التعبير السردي الشعبي.
يأتي المؤلّف الصّادر، مؤخرا، عن دار «فكرة كوم للنشر والتوزيع» بالجزائر، في 203 صفحات من الحجم المتوسط، ليعزز مسار الباحثة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية.
ويندرج الكتاب ضمن حقل الدراسات المقارنة ونظرية الأجناس الأدبية، حيث ينطلق من مفهوم «التفاعل الأجناسي» بوصفه أفقا نظريا يتجاوز فكرة التأثير السطحي بين الأنواع، إلى الكشف عن أشكال التداخل البنيوي والجمالي بين الرواية ومرجعياتها الشعبية. وتؤكّد الكاتبة أن الرواية العربية لم تتطور في معزل عن الذاكرة الجماعية، بل ظلّت تستبطن مكونات السيرة الشعبية والأسطورة والحكاية الشعبية، وتعيد توظيفها ضمن أنساق سردية حديثة تستجيب لتحولات الواقع والوعي.
في الفصل الأول، تتوقّف الدّراسة عند التمظهرات النصية لبنية السيرة الشعبية في الرواية، من خلال تحليل آليات استحضار المتن السير- شعبي داخل البناء الروائي. وتبرز القراءة كيف تتحول عناصر البطولة والرحلة والصراع والفضاء المفتوح، وهي سمات أصيلة في السيرة الشعبية، إلى أدوات فنية يعاد تشكيلها داخل النص الروائي المعاصر، بما يمنحه بعدا ملحميا ورمزيا في الآن نفسه.
أما الفصل الثاني، فيعالج النزوع الأسطوري في الرواية العربية، باعتباره خيارا فنيا وجماليا يعكس رغبة الروائي في تعميق الدلالة وتوسيع أفق التأويل. وتوضّح الكاتبة أن استدعاء الأسطورة لا يتم بوصفه عودة إلى الماضي، بل كآلية تجريبية تمزج بين الفكر الميثولوجي القديم والتقنيات السردية الحديثة، مما يسمح بإنتاج نصوص تتقاطع فيها الأزمنة وتتداخل فيها المرجعيات الثقافية.
وفي الفصل الثالث، تتناول الدراسة آليات تحقق الحكي الشعبي في الرواية، من خلال تحليل حضور الحكاية الشعبية وأنماط السرد الشفهي داخل النص المكتوب. وتبرز أهمية هذا الحضور في تعزيز البعد الهوياتي للنص، وإعادة ربط الرواية بجذورها الثقافية والاجتماعية، بما يجعلها فضاء لتجديد الذاكرة الجماعية واستثمار الإرث الإنساني العميق.
ويكشف هذا الإصدار عن وعي نقدي بأهمية المصالحة بين الحداثة والتراث، وبين المكتوب والشفهي، مؤكّدا أنّ الرواية العربية الحديثة، لم تقطع صلتها بالمخزون الشعبي، بل أعادت صياغته في إطار رؤية جمالية وفكرية معاصرة. وبذلك يشكل الكتاب إضافة نوعية إلى المكتبة النقدية العربية، ومرجعا مهما للباحثين والطلبة المهتمين بقضايا السرد وتحوّلات الأجناس الأدبية في الثقافة العربية.







