لم يعد شهر رمضان في غزة كما كان في السابق، فالأجواء التي كانت تمتلئ بالبهجة والاستعدادات المبكّرة لاستقبال الشهر الفضيل تراجعت، أمام واقع إنساني واقتصادي بالغ القسوة. فالمائدة التي كانت رمزاً للكرم ولم الشمل خلال رمضان، باتت اليوم عنواناً للقلق اليومي والسعي المتواصل لتأمين الحد الأدنى من الطعام، في ظل نزوح واسع ودمار طاول المنازل ومصادر الرزق.
يعيش النازحون الفلسطينيون في قطاع غزة ظروفا إنسانية قاسية مع حلول شهر رمضان هذا العام، في ظل استمرار تداعيات حرب الإبادة الصّهيونية ونقص الغذاء والوقود، فيما يقول كثيرون إنهم ما زالوا يواجهون تجويعا بسبب القيود الصّهيونية المشدّدة على المعابر.
رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، فإنّ الأوضاع المعيشية في القطاع لم تشهد تحسّنا، جراء تنصّل الاحتلال من التزاماته التي نص عليها الاتفاق، بداء من وقف العمليات القتالية، وصولا إلى تنفيذ البروتوكول الإنساني.
لأكثر من مرة، قالت حركة “حماس” والمكتب الإعلامي الحكومي، إنّ الاحتلال لا يلتزم بإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء من خيام وبيوت متنقلة.
يعيش نحو 1.9 مليون نازح، من أصل 2.4 مليون نسمة في القطاع، ظروفا قاسية في خيام مهترئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، بعد أن دمّرت القوات الصّهيونية منازلهم خلال الحرب.
ظروف صعبة
في مركز إيواء (مدرسة) متضرّر من استهداف صهيوني سابق ويفتقر إلى أدنى مقومات الحياة في شمالي القطاع، تحاول الفلسطينية تهاني حمد، وهي أم لـ7 بنات و4 أولاد، تجهيز مائدة الإفطار لأبنائها.
داخل غرفة الصف التي تقيم فيها عائلة حمد، تشعل النار باستخدام الحطب بينما تنشغل بناتها في ترتيب وتنظيف المكان. ورغم المخاطر المترتبة على إشعال النار في مكان مبيتهم، إلا أنّ الخيارات البديلة تنعدم في ظل الظروف الصعبة التي يمرّ بها القطاع ووسط شحّ توفر غاز الطهي.
وتقول حمد، إنهم كانوا يعيشون أجواء رمضانية جميلة قبيل اندلاع الإبادة الصّهيونية، التي غيرت أحوالهم وجلبت الدمار والنزوح. وتوضّح أنها تكافح من أجل توفير طعام الإفطار لأبنائها، في ظل انعدام توفر مصدر الدخل لديهم، كما تعاني في توفير طعام السحور في ظل ارتفاع الأسعار، مقارنة بما قبل رمضان.
في وقت سابق، أعلنت المديرية العامة للشرطة بقطاع غزة، عن “إجراءات صارمة بحق التجار الذين يتلاعبون بالأسعار ويمارسون الاستغلال والاحتكار خلال شهر رمضان، وكذلك بحق الرافضين للتعامل بالعملات الورقية المهترئة”.
وأشارت حمد إلى أنها وعائلتها يضطرون إلى تأخير الإفطار بعد الأذان، بسبب صعوبة إعداد الطعام في ظل الظروف الحالية.
فقر وجوع وتشريد
أمام إحدى نقاط توزيع الطعام المجاني بمدينة خان يونس جنوبي القطاع، يتزاحم عشرات الفلسطينيين وهم يحملون أواني معدنية، في انتظار دورهم للحصول على وجبة إفطار.
الفلسطينية إيمان عيد، واحدة من هؤلاء، تقول إنها تعيش هذه المعاناة منذ عامين. وتابعت: “المعاناة ما زالت مستمرة من فقر وتجويع وتشريد. الوضع لم يتغير رغم الهدنة”.
كما أوضحت أنّ الحديث عن وقف إطلاق نار بغزة “صوري وكلامي”، ويختلف عما يجري على أرض الواقع. واستكملت قائلة: “الكثير من فئات النازحين يعجزون عن توفير أي لقمة خاصة في شهر رمضان”.
وأشارت إلى أنّ القطاع يعاني من أزمات متعدّدة، من بينها انعدام مصادر الدخل وشحّ توفر الغاز وعدم توفر السيولة، ما يدفع النازحين للجوء إلى نقاط توزيع الغذاء من أجل الحصول على الطعام.
ختمت عيد بقولها إنها تقف أحيانا لساعات أمام هذه النقاط، دون أن يحالفها بالحصول على وجبة ساخنة، فتعود خالية الوفاض إلى عائلتها.
شهداء واعتداءات
من ناحية ثانية وعلى الصعيد الميداني، أفادت الأنباء، أمس، باستشهاد فلسطينية برصاص قوات الاحتلال في ميدان بيت لاهيا شمال قطاع غزة.
وواصل جيش الاحتلال الصّهيوني انتهاكاته لوقف إطلاق النار مستهدفاً مناطق متفرّقة في قطاع غزة، حيث استهدفت مدفعية الاحتلال شرق مدينة غزة، ومخيم البريج، ورفح، وخان يونس، وسط استمرار تصعيد وتكثيف الغارات.
قالت وزارة الصحة في آخر إحصائياتها إنّ إجمالي ما وصل إلى مستشفيات قطاع غزة، خلال الساعات 24 الماضية: شهيدان، و3 إصابات. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار، استشهد وأصيب نحو 2257 فلسطينياً، من جراء أكثر من 1700 خرق للاتفاق ارتكبها الاحتلال.



