حوّلت الإرادة السياسية للقيادة العليا للبلاد، الصّحراء الجزائرية، من مجرّد مساحات واسعة، إلى ركيزة المستقبل الاقتصادي الواعد، حيث تحول سطحها مثل باطنها، رافدا لمشاريع مهيكلة واستراتيجية في البنى التحتية وفي القطاعات الحيوية، كالنقل بالسّكك الحديدية والزراعة الصّحراوية والمناجم، والتي ستأخذ بيد الاقتصاد الوطني خارج دائرة الاعتماد المطلق على المحروقات، وباتجاه تكريس مفهوم التنمية المستدامة.
لم يعد يُنظر للصّحراء الجزائرية التي تمتد على مساحة تزيد عن مليوني كلم مربع، على أنها منطقة جافة وبطن رخوة تحتاج موارد الشمال المعتدل لتلبية حاجة سكانها، بل أصبحت موردا اقتصاديا فعالا يدر مداخيل معتبرة للخزينة العمومية، ويساهم في تنمية المناطق السكانية في الصّحراء، وأبعد من ذلك أصبح بالإمكان إنشاء مناطق حضرية في محيط المشاريع الاقتصادية هناك، خاصة مع خوض غمار الفلاحة الصّحراوية وشق خطوط السّكك الحديدية العابرة للصّحراء.
رؤية المستقبل القريب للجزائر، والتي يعمل على تجسيدها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، ويعبئ الجهاز التنفيذي كامل طاقته من أجل وضعها على الأرض، وجدت في الأراضي الصّحراوية الفضاء الطبيعي والمثالي لإحداث النقلة الاقتصادية النوعية وتكريس التوزان التنموي، وفق مقاربة واضحة قائمة على استغلال كامل للقدرات الوطنية.
بعد سنوات من الأفكار النظرية، حول النهضة التي يمكن تحقيقها من الجنوب الكبير، تشهد مختلف المناطق الواسعة من البلاد ثورة استثمارات ضخمة في عديد الشُعب، وفي مقدمتها الإنتاج الفلاحي وشُعبه الاستراتيجية، مثل الحبوب والأعلاف، والحليب، ممّا يساهم في رفع قيمة الإنتاج الفلاحي الوطني، ومنه تحقيق الاكتفاء الذاتي.
شهدت منطقة الصّحراء الكبرى تطورا كبيرا في مجال زراعة الحبوب، التي تشغل حوالي مليون هكتار، إلى جانب الخضروات التي حقّقت نموا استثنائيا على مدار السنوات العشر الماضية، وتشغل مساحة تناهز 737 ألف هكتار منها 41٪ مخصّص لإنتاج البطاطا. إلى جانب ذلك نجد زراعة الأشجار المثمرة على مساحة 21203 هكتار. يتصدّرها الزيتون الذي يحتل مساحة 10800 هكتار.
النجاح الباهر الذي حقّقته عديد الاستثمارات الفلاحية، منح للجنوب الكبير جاذبية خاصة، في احتضان المشاريع الكبرى المهيكلة، في إطار الشراكة الأجنبية، ولعل من أهم المشاريع، مشروع “بلدنا” وهو شراكة استراتيجية ضخمة بين قطر والجزائر، لإنتاج بودرة الحليب المجفّف، واللّحوم والأعلاف بقيمة 3.5 مليار دولار، والذي يجري إنجازه بولاية أدرار على مساحة 117 ألف هكتار، ويهدف لإنتاج 194 ألف طن سنوياً وتغطية 50% من احتياجات الجزائر.
في عمق الصحراء أيضا، وفي ولاية تيميمون، أطلق مشروع فلاحي آخر لتعزيز الفلاحة الصّحراوية بالشراكة مع إيطاليا لإنتاج الحبوب والبقوليات، يمتد على مساحة 36 ألف هكتار بتكلفة 420 مليون يورو.
تهدف هذه الشراكة بين مجموعة “بونيفيكي فيراريزي” الإيطالية والصندوق الوطني للاستثمار الجزائري، إلى تحقيق الأمن الغذائي، وتطوير فلاحة ذكية، وتصدير العجائن، وخلق أزيد من 6700 منصب شغل، ما يوفر تنمية حقيقية للولاية والولايات المجاورة لها، وتحقيق الحاجة الوطنية من الإنتاج ثم تصدير الفائض منها.
مكمن الطاقات المتجدّدة
تتوفر الجزائر، وبفضل موقعها الجغرافي، على واحدة من أعلى الرواسب الشمسية في العالم، إذ تتجاوز مدة أشعة الشمس على كامل الأراضي الوطنية حوالي 2000 ساعة سنويًا ويمكن أن تصل إلى 3900 ساعة في الهضاب العليا والصّحراء، ويقدّر متوسّط أشعة الشمس في الجنوب بـ 3500 ساعة في السنة، وهي مدة كافية لتوليد طاقة يمكنها تغطية الطلب الوطني المتزايد وتزويد حتى أوروبا بالطاقة الشمسية.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ 14 ولاية، خاصة الجنوبية، تتوفر على محطات للطاقة المتجدّدة بسعة 343 ميجاوات. وهو ما يساهم في تنفيذ المخطط الوطني لتطوير الطاقات المتجدّدة والفعالية الطاقوية، الذي يرمي إلى تحقيق طاقة إنتاجية متجدّدة تتراوح بين 47 إلى 51 تيراواط ساعة بحلول عام 2030، وهو ما يمثل 37٪ من السعة المركبة، و27٪ من إنتاج الكهرباء المخصّصة للاستهلاك الوطني.
يضاف إلى الطاقة الشمسية طاقة الرياح، التي يمكن استخدامها على وجه التحديد في توليد الطاقة الكهربائية لضحّ المياه للاستعمال الزراعي خاصة، لسرعتها المعتدلة المناسبة لهذا الغرض.
سكك وطرقات تشق الصّحراء
المشاريع الكبرى الجارية والتي سوف تنطلق في وقت قريب، سوف تغيّر الوجه التنموي للجزائر، انطلاقا من مناطقها الجنوبية، التي ستكون نافذة نحو العمق الإفريقي مع دول الجوار.
بفضل الإرادة السياسية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تتّجه الجزائر نحو وضع بنى تحتية استراتيجية، توضع في خدمة الاقتصاد الوطني وبقية الاقتصادات الإفريقية، التي تبحث عن الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، سواء عبر الطريق العابر للصّحراء، أو عبر خطوط السكة الحديدية العابرة للصّحراء.
في ظرف 20 شهرا، أنهت الجزائر بناء أضخم مشروع تنموي سيغيّر وجه التنمية في الجنوب الغربي للبلاد، فعلى امتداد 950 كلم، تشقّ خامات الحديد طريقها إلى وهران من منجم غارا جبيلات، ثالث أكبر احتياطي لخام الحديد في العالم، (تقدّر احتياطاته بـ 3.5 مليار طن، ويستهدف إنتاج 50 مليون طن سنوياً).
وبالتالي، هو العملاق الصناعي الذي يعتبر من رموز تحرير الاقتصاد الجزائري من التبعية للمحروقات، وتزويد السوق الوطنية بحاجاتها من الحديد في مختلف الصناعات خاصة صناعة السيارات، المشروع الذي تعول عليه الجزائر.
يضاف إليه خط السكة الحديدية العابر للصّحراء بين الجزائر العاصمة ومدينة تمنراست، وصولا إلى حدود النيجر مروراً بالبليدة، المدية، الجلفة، الأغواط، غرداية، المنيعة، عين صالح، تمنراست، وصولاً إلى عين قزام. ويعد المشروع من أكبر مشاريع البنية التحتية في إفريقيا، وهو بوابة الجزائر الاقتصادية نحو العمق الإفريقي، بطول يزيد عن 2400 كلم، على أن يستلم بحلول 2028. كما تم تسجيل مشروع آخر، يهدف إلى إيصال القطار إلى ولاية أدرار، وتجري حاليا أشغال المقاطع الجنوبية من الأغواط إلى المنيعة. وهو خط على قدر كبير من الأهمية لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصّحراء، وتحويل الجزائر إلى مركز تجاري يربط بين إفريقيا وأوروبا.


