أكّد الخبير الطاقوي بغداد مندوش، أنّ الجزائر تعيش مرحلة غير مسبوقة في قطاع المحروقات، حيث تمثل الاكتشافات الأخيرة في الغاز والبترول حجر الزاوية لتعزيز الأمن الطاقوي الوطني وترسيخ مكانة الجزائر كفاعل موثوق في السوق الدولية، مستفيدين من روح السّيادة التي أرساها قرار 24 فيفري 1971، الذي أعاد السيطرة الكاملة على ثروات البلاد، وفتح الطريق أمام سوناطراك لتصبح قوة طاقوية متكاملة قادرة على إدارة الإنتاج والاستكشاف والتطوير بكفاءة وطنية عالية.
قال مندوش لـ “الشعب” إنّ الديناميكية التي يشهدها قطاع المحروقات في الجزائر، خلال الفترة الحالية، ليست نشاطا تقنيًا عابرا، بل امتداد طبيعي لمسار تاريخي طويل بدأ مع تأميم المحروقات، الذي أعلنه الرئيس الراحل هواري بومدين، حين استعادت الجزائر سيادتها الكاملة على ثرواتها بعد عقود من الهيمنة الأجنبية، خصوصا الفرنسية، على الإنتاج والنقل والتسويق.
هذا القرار السيادي، بحسب الخبير الطاقوي، شكّل نقطة تحول حاسمة في مسار الاستقلال الاقتصادي، ومنح سوناطراك القدرة الكاملة على قيادة عمليات الاستكشاف والتطوير والإنتاج في كافة الحقول الوطنية.
يذكر أنّ الحكومة، وضعت مخططا استراتيجيا لتطوير الإنتاج، خاصة فيما يتعلق بالغاز والذي صار الطلب عليه متزايدا خاصة من قبل الدول الأوروبية، ومن أجل ذلك أطلقت العام الماضي المناقصة الدولية الأولى في إطار قانون المحروقات الجديد، وأثمرت بتوقيع 5 عقود مع شركات أجنبية بقيمة 600 مليون دولار.
أعلن وزير المحروقات والمناجم، محمد عرقاب، أنّ الجزائر ستطلق مناقصة دولية ثانية، شهر جوان المقبل لتقديم عروض استكشاف، وستعرض خلالها 24 محيطا للمحروقات وخاصة الغاز.
في السياق، أكّد بغداد مندوش، أنّ سوناطراك، منذ تأسيسها عام 1963، كانت محدودة الإمكانات والصلاحيات، إذ لم تكن تتحكّم إلا بنسبة ضئيلة في النقل ولم تمتلك أي سلطة فعلية على الاستكشاف أو الإنتاج، بينما اليوم أصبحت المؤسّسة تمتلك أكثر من 51 بالمائة في قطاع النفط و100 بالمائة في الغاز ووسائل النقل، ما يعكس تمكّن الجزائر من التحكّم الكامل في ثروتها الوطنية.
وأضاف أنّ الاكتشافات الحديثة تمثل حصادًا لتراكم الخبرة الوطنية والتكنولوجيا الحديثة، وتضع الجزائر في موقع قوة بين منتجي الطاقة في إفريقيا والعالم.
أوضح مندوش، أنّ السنوات الخمس الأخيرة شهدت معدلا سنويا يقارب عشرين اكتشافا جديدا، تشمل الحقول البرية والغازية، خصوصا في مناطق توات وأدرار ورقان وتيميمون، إضافة إلى محيط ورقلة وعين أميناس وحاسي بركين شمالًا وشرا، وبعض هذه الاكتشافات دخلت مرحلة التطوير والربط بالمنشآت القائمة، فيما لا تزال الأخرى في مرحلة التقييم التقني والاقتصادي تمهيدًا لإدماجها في شبكة الإنتاج الوطنية.
كما أكّد أنّ هذه الاستراتيجية تسمح بتعويض الانخفاض الطبيعي في الإنتاج من الحقول القديمة، بما يحافظ على مستويات الإنتاج ويزيدها تدريجيًا.
فيما يخص الغاز، شدّد مندوش على أنّ حقل حاسي الرمل يظل القلب النابض للمنظومة الوطنية، غير أنّ الاكتشافات الحديثة تمنح مرونة أكبر لإدارة المخزون الوطني وتخفّف الضغط عن الحقول التاريخية، بينما تمثل الاكتشافات الجديدة في محيط حاسي مسعود وحاسي بركين إضافة نوعية للإنتاج النفطي، خاصة مع اعتماد تقنيات حديثة لتحسين معامل الاسترجاع وإعادة تطوير المكامن، بما يسمح برفع القدرة الإنتاجية تدريجيًا.
أكّد الخبير أنّ الجزائر تهدف إلى رفع قدرات إنتاج الغاز إلى ما بين 160 و200 مليار متر مكعب سنويًا خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من وتيرة الاكتشافات وبرامج التطوير المستمرة، لافتا إلى أنّ التحولات الجيوطاقوية العالمية، لا سيما في أوروبا، أعادت رسم خريطة الطلب على الغاز الطبيعي، ما يمنح الجزائر موقعا استراتيجيا كشريك موثوق، مع بنية تحتية قوية تشمل أنابيب ومحطات تسييل تؤهّلها لتلبية الطلب بسرعة وفعالية.
وأشار مندوش إلى أنّ الشراكات الدولية تلعب دورا مهما في دعم الاكتشافات الحديثة، حيث تساهم شركات كبرى أجنبية في تسريع عمليات البحث والاستكشاف ونقل التكنولوجيا والخبرة، مع الحفاظ على السيادة الوطنية، ما يعزّز قدرة الجزائر على تطوير ثرواتها بكفاءة واحترافية.
كما أنّ هذه الاكتشافات تدعم الميزان التجاري واحتياطيات الدولة من العملة الصعبة، وتوفّر قاعدة لتطوير الصناعات التحويلية والبتروكيميائية، ما يخلق قيمة مضافة وطنية ويقلّل من التبعية لتصدير المواد الخام.
على الصعيد الاقتصادي، قال مندوش أنّ الاكتشافات الجديدة ستساهم في تمويل مشاريع التنمية الوطنية، وتحفيز الاستثمارات في القطاعات المرتبطة بالمحروقات، وتعزيز القدرة على المساهمة في الاقتصاد الإفريقي والدولي، بما يعكس قدرة الجزائر على ترجمة ثروتها الطاقوية إلى قوة اقتصادية وسياسية.
أوضح الخبير أنّ الرهان المستقبلي للقطاع لا يقتصر على زيادة الإنتاج فحسب، بل يمتد إلى القدرة على الابتكار، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز الرقمنة في إدارة الحقول وتحليل البيانات، لضمان استدامة الإنتاج والتكيف مع التحولات الطاقوية العالمية والالتزام بالمعايير البيئية الحديثة، مفيدا أنّ هذه المقاربة تجعل الجزائر في صدارة الدول المنتجة للطاقة، ليس فقط من حيث الاحتياط، بل أيضًا من حيث القدرة على إدارة مواردها بفعالية واستدامة.
بروح 24 فيفري
استحضر مندوش البعد التاريخي، معتبرا أنّ الاكتشافات الأخيرة امتداد مباشر لروح 24 فيفري، حين حملت الكفاءات الوطنية مسؤولية استمرارية الإنتاج بعد مغادرة الإطارات الأجنبية، مثبتة قدرة الجزائريين على إدارة قطاع حساس ومعقّد. فكل مشروع تطوير، وكل بئر جديدة تدخل الإنتاج، هو رسالة قوية بأنّ الجزائر تحافظ على استقلالها الاقتصادي وتستثمر مواردها لصالح الشعب والاقتصاد الوطني، وهو ما يجعل التاريخ حاضرا في كل خطوة نحو المستقبل.
كما شدّد الخبير على البعد الجيوسياسي للاكتشافات الجديدة، إذ تمنح الجزائر هامشا أوسع في التفاوض مع الشركاء الدوليين، خصوصا في ظل التقلبات العالمية في أسواق الغاز والنفط، ما يجعلها فاعلًا مؤثرًا وموثوقًا على المستوى الإقليمي والدولي.
وأضاف، أنّ الاكتشافات الجديدة تعكس أيضًا قدرة الجزائر على توفير طاقة نظيفة نسبيًا مقارنة بمصادر أخرى، ما يمنحها مكانة مهمة في التحولات الطاقوية العالمية التي تركّز على الطاقة المستدامة.
وأبرز بغداد مندوش، الأبعاد الحقيقة للاكتشافات الأخيرة مؤكّدا بأنها ليست مجرّد إنجازات تقنية أو اقتصادية، بل هي دعامة سيادية تعزّز مكانة الجزائر في خريطة الطاقة العالمية، وتؤكّد أنّ الدولة ماضية في بناء قطاع طاقوي قوي ومستدام، قادر على مواجهة التحديات المستقبلية وضمان الأمن الاقتصادي للأجيال القادمة، مع الحفاظ على إرث القرار السيادي لتأميم المحروقات في 24 فيفري 1971.



