الرئيس تبون..تعزيز مكاسب بسط السيادة على الموارد النفطية والغازية
محطة تاريخية تجمع بين نضـال العمّال وإرادة الدولــة السيّدة
سوناطراك تقود مشاريع استراتيجية وتحقق استقـلاليـة القــارة
تحيي الجزائر، اليوم، الذكرى المزدوجة لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات، بطموح قوي نحو بلوغ مراتب الدول الناشئة على المدى القريب، مثلما أكّده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وذلك وفاء للمسار النضالي المشرف للطبقة الجزائرية العاملة وتعزيزا لمكاسب بسط السيادة الوطنية على الموارد النفطية والغازية، وما نتج عن ذلك من فتح ورشات كبرى للتنمية الشاملة.
تشكّل الذكرى المزدوجة لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريّين في 24 فيفري 1956 وتأميم المحروقات في 24 فيفري 1971، محطة تاريخية وسياسية فاصلة في مسار الدولة الجزائرية الحديثة. حيث يمثل هذا التاريخ نقطة التقاء عضوية بين نضال الطبقة العاملة من أجل التحرّر الوطني والاستقلال، وإرادة الدولة في بسط سيطرتها المطلقة على ثرواتها الطبيعية وتأميمها.
كما أنّ استقراء هذه الأحداث وتتبّع مساراتها الزمنية، يكشف عن خط بياني متصاعد من القرارات السيادية التي بدأت بتصفية تركة الاستعمار اقتصادياً، لتصل اليوم إلى تكريس دور الجزائر كقوة طاقوية واقتصادية إقليمية ودولية تقود استثمارات ضخمة في عمقها الإفريقي.
بالعودة إلى السياق التاريخي، برز الاتحاد العام للعمال الجزائريين كتنظيم نقابي ولد من رحم الثورة التحريرية المجيدة، ليؤطّر كفاح العمال ويوجه طاقاتهم نحو هدف الاستقلال من الاستعمار الفرنسي الغاشم. وقد تجسّدت هذه الروح النضالية في التضحيات الجسام التي قدّمها النقابيون، وعلى رأسهم الشهيد عيسات إيدير الذي اغتالته آلة التعذيب الاستعمارية عام 1959، رافضاً المساومة على حقوق العمال في الحرية. وبعد استرجاع السيادة الوطنية، استمرّت هذه الروح العمالية في معركة البناء، وهو ما تجلى بوضوح في اللحظة الحاسمة لتأميم المحروقات، ثم لاحقاً في وقوف العمال كحائط صدّ منيع للدفاع عن الدولة ومؤسّساتها، خلال سنوات التسعينيات العصيبة.
القطيعة النهائية مع المستعمر
في سياق متصل، جاء قرار تأميم المحروقات الذي أعلنه الرئيس الراحل هواري بومدين أمام إطارات المركزية النقابية، تتويجاً لمسار شاق من المفاوضات التي انطلقت عام 1969 مع الطرف الفرنسي. فقد حاولت باريس التمسّك بامتيازاتها المجحفة التي تضمنتها نصوص معاهدة إيفيان تحت مسمى “التعاون العضوي”، وأبدت تصلّباً كبيراً. لكن إعلان 1971 شكّل قطيعة نهائية مع هذه التبعية، حيث شمل التأميم الكلي لقطاع الغاز. ولم يتوقف التحدي عند اتخاذ القرار السياسي، بل امتد إلى الميدان، حيث واجهت الكفاءات الجزائرية الشابة من خريجي المعهد الجزائري للبترول تحدي الانسحاب المتعمد للخبراء الأجانب. وأثبت المهندسون والتقنيون الجزائريون جدارتهم بالعمل لـ 14 و15 ساعة يومياً لضمان استمرارية الإنتاج في حقول حاسي مسعود، محبطين رهانات شلل القطاع النفطي. وهو القرار الجريء الذي ألهم دولاً أخرى كالعراق وليبيا، ودفع صحيفة “لوموند” حينها للاعتراف بأنّ الجزائر أصبحت “حاملة لواء الدول البترولية التي تريد التحرّر من وصاية الشركات الأجنبية”.
كذلك، فإنّ استقراء نتائج ذلك القرار التاريخي، بعد مرور أكثر من نصف قرن، يبرز التطور المحوري لشركة “سوناطراك” والتي تحولت من مؤسسة تقتصر مهامها الأولى على تسويق بعض المحروقات ونقلها عبر الأنابيب، إلى عملاق يحتل المرتبة الأولى إفريقياً والثانية عشرة عالمياً.
وهذا التطور تحقّق بفضل استثمار مستمر في القدرات الوطنية، مكّن البلاد من امتلاك منشآت صناعية كبرى في تكرير النفط، الصناعات البتروكيماوية، وتمييع الغاز، على غرار مركبات أرزيو وسكيكدة والمصفاة الكبرى لسيدي رزين. ولم يقتصر الأمر على الاستغلال الداخلي، بل أصبحت الجزائر المورد الأول للغاز إلى إسبانيا وإيطاليا عبر أنابيب ضخمة مثل “ترانسميد”، مع توسيع الأسواق نحو الوجهات الآسيوية كالصين وكوريا الجنوبية واليابان.
علاوة على ذلك، أدركت الدولة الجزائرية أنّ الحفاظ على استقلالية القرار الاقتصادي في المشهد العالمي الراهن، يتطلّب الانتقال من سياسة التسيير الداخلي إلى الانخراط الفاعل في المحيط الجيوسياسي. بناءً على هذا الخيار السيادي، تبنّت سوناطراك استراتيجية توسّع إقليمي، محولة خبرتها الطويلة إلى أداة لتعزيز الحضور الجزائري في إفريقيا. تتجسّد هذه الحركية اليوم، في الاستثمارات المباشرة ومشاريع الاستكشاف التي تقودها الشركة في دول الجوار، مثل ليبيا والنيجر. ويعكس هذا التمدّد توجّهاً سياسياً واقتصادياً يهدف إلى تأمين المصالح الحيوية، وتعزيز التكامل القاري بعيداً عن هيمنة الشركات الأجنبية التقليدية.
بالإضافة إلى هذا التوسّع الميداني، تبرز القوة الجزائرية في قيادة المشاريع الهيكلية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع خط أنبوب الغاز العابر للصّحراء.
هذا المشروع الاستراتيجي الذي سيربط حقول الغاز في نيجيريا بأوروبا مروراً بالنيجر والجزائر، وإشراف سوناطراك على تنفيذ هذا المشروع في الأشهر القادمة، معتمدة على سواعد وخبرات جزائرية متراكمة، يسقط مقولة الحاجة الدائمة للخبرة الأجنبية. فالأجيال التي استلمت المشعل لتسيير الآبار محلياً، تسلّمت اليوم مهام هندسة مشاريع قارية ضخمة، ممّا يجعل من الطاقة أداة سياسية وجيواستراتيجية تمنح الجزائر قوة تفاوضية هائلة، مدعومة باحتياطيات تتجاوز 4 تريليون متر مكعب من الغاز و20 تريليون متر مكعب من الغاز الصخري.
يترافق هذا الثقل الميداني مع تحديث مستمر للبيئة الاستثمارية، حيث جاء قانون المحروقات الجديد (13-19) ليوفر إطاراً محفّزاً أثمر إطلاق مناقصات واعدة لاستكشاف النفط والغاز في مناطق الجنوب الغربي والشرقي وحتى السواحل البحرية، وعقد شراكات مع كبريات الشركات العالمية مثل “إكسون موبيل” و«شيفرون”. وفي الوقت ذاته، لا تتجاهل الجزائر التحولات العالمية، بل تنخرط بشكل سيادي في مسار الانتقال الطاقوي عبر تطوير الطاقات المتجدّدة والهيدروجين كبدائل مستقبلية حتمية، بالتوازي مع قفزة غير مسبوقة في تنويع الصادرات خارج المحروقات، التي بلغت مستويات قياسية في قطاعات الأسمدة، الحديد، ومواد البناء.
تشكّل ذكرى 24 فيفري في الجزائر تأكيداً مستمراً على أنّ الاستقلال الاقتصادي هو مسار تراكمي دائم يحتاج إلى يقظة وكفاءة، من بسط السيادة على الحقول وطرد الشركات الاستعمارية، إلى التوسّع الاستثماري في إفريقيا وقيادة المشاريع القارية الكبرى، حيث تثبت الدولة الجزائرية وعمالها أنّ الإرادة التي استرجعت مقدرات الأمس، هي ذاتها التي تهندس اليوم نفوذ الجزائر الطاقوي، وتضمن استقرارها وتطورها في الغد.




