تشغيــل اليد العاملــة في الأشغــال العموميــة والهندســة والخدمـات والصيانــة والنقـل
ديناميكية تنموية متوازنة تعزّز الاندمــاج الصناعـي الوطنـي
بعد إنجاز الخط المنجمي الغربي غارا جبيلات–تندوف–بشار، الذي مكّن من نقل خام الحديد إلى وهران، تتجه الجهود نحو الشرق، حيث وجّه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بتسريع إنجاز خط واد الكبريت–ميناء عنابة. حيث يهدف المشروع إلى تثمين الموارد المنجمية وتصديرها خاما أو بعد تحويلها، مع بعث ديناميكية تنموية متوازنة تعزّز الاندماج الصناعي الوطني.
يؤكّد الخبير في السياسات الحكومية، البروفيسور فارس هباش، في اتصال مع «الشعب»، أنّ مشروع السكة الحديدية المنجمية الرابط بين واد الكبريت وميناء عنابة يشهد تقدّما متسارعا، ضمن ورشات الدولة الكبرى الهادفة إلى تحديث البنية التحتية ورفع كفاءة المنظومة اللوجستية الوطنية، خاصة في ما يتعلق بقطاع المناجم والصناعات التحويلية.
يحظى المشروع باهتمام حكومي كبير، حيث قام الوزير الأول، سيفي غريب، رفقة وفد وزاري هام، بزيارتين للمتابعة الميدانية للمشروع سواء على مستوى ميناء عنابة أو خط السكة الحديدية بسوق أهراس. كما يعقد وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، عبد القادر جلاوي، اجتماعات أسبوعية مع القائمين على المشروع، كان آخرها اجتماع وجّه فيه بإيجاد الحلول لكل المستلزمات.
تأكيدا للمتابعة الحثيثة التي توليها السلطات العليا للمشاريع الاستراتيجية عموما وهذا المشروع خصوصا، شدّد رئيس الجمهورية على ضرورة تسريع وتيرة الإنجاز، موجّها تعليماته للمسؤول الأول عن قطاع الأشغال العمومية بضرورة تكثيف المتابعة الميدانية والالتزام الصارم بآجال التنفيذ، بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية والهيكلية التي يمثلها هذا المشروع لشرق البلاد وللاقتصاد الوطني عموما.
حلقة ربط مع الأسواق العالمية
بالنسبة لأهمية المشروع، أشار هباش إلى أنه يكتسي بعدا استراتيجيا كونه يربط مناطق إنتاج ذات إمكانات منجمية معتبرة بممر تصديري مباشر نحو البحر الأبيض المتوسط، الذي يعتبر منطقة تجارية دولية بامتياز، عبر ميناء عنابة، ما يعيد رسم خارطة نقل المواد المنجمية الثقيلة بطريقة أكثر نجاعة وأقل كلفة.
قال أيضا: إنّ «الاعتماد على السّكك الحديدية في نقل الفوسفات والمواد المعدنية والمنتجات شبه المصنّعة، يقلّص الضغط على الطرقات ويحدّ من مصاريف النقل والصيانة، كما يرفع من موثوقية سلاسل التموين، وهو عامل حاسم في تنافسية أي قطاع تصديري».
تؤكّد الخيارات الرسمية في هذا الاتجاه، بحسب المتحدث، أنّ الجزائر تراهن على تطوير النقل السّككي باعتباره أحد أعمدة الانتقال نحو اقتصاد منتج، حيث تشير المعطيات المعلنة في برامج تطوير السّكك الحديدية، إلى توسيع الشبكة وتعزيز دورها في نقل البضائع، لا سيما المرتبطة بالطاقات والمناجم.
تنشيط النسيج الاقتصادي
على المستوى المحلي، يتوقّع هباش أن تنعكس ديناميكية المشروع إيجابا على الولايات الشرقية للبلاد، وفي مقدمتها سوق أهراس وعنابة والطارف، عبر خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلة الإنجاز وما بعدها، وتشغيل اليد العاملة في مجالات الأشغال العمومية والهندسة والخدمات والصيانة والنقل.
كما يوفّر المشروع، يضيف هباش، فرصة لتنشيط النسيج الاقتصادي المحلي، لأنّ ورشات بهذا الحجم عادة ما تخلق طلبا إضافيا على خدمات المناولة والتموين والإيواء والنقل والمعدات، ما يدعم المؤسّسات المصغّرة والصغيرة والمتوسطة ويزيد من ديناميكية النشاط التجاري في محيط المشروع. إلى جانب ذلك، فإنّ نقل جزء معتبر من الحمولات الثقيلة من الشاحنات إلى القطارات يعني تخفيف الأعباء على الشبكة الطرقية، وتقليص الحوادث والاستهلاك الكبير للوقود، وتحسين الأثر البيئي العام بالنظر إلى أنّ النقل السّككي أقل انبعاثا وأعلى كفاءة في نقل الكميات الضّخمة لمسافات طويلة.
إدماج أوسع لسلاسل القيمة
أمّا على المستوى الوطني، فيرى هباش أنّ المشروع يأتي في قلب توجه اقتصادي متبصّر، يقوم على تنويع مصادر الدخل وتقليص التبعية للمحروقات، من خلال استثمار الثروات المنجمية وإعادة الاعتبار للصناعة التحويلية المرتبطة بها.
تراهن السلطات العمومية على أنّ قطاع المناجم قادر على رفع مساهمته في خلق الثروة والتشغيل والصادرات، خاصة مع إطلاق أو إعادة بعث عدة مشاريع كبرى مرتبطة بالفوسفات والحديد والزنك وغيرها.
في هذا الإطار، شدّد هباش على أنه لا يمكن لأي طموح تصديري أن يتحقّق من دون بنية لوجستية قادرة على نقل المواد بكلفة تنافسية وباستمرارية منتظمة، وهو ما يفسّر الاهتمام المركزي بهذا الخط السّككي الذي يشكّل جسرا مباشرا بين الإنتاج والميناء.
ومن شأن هذا الربط أن يرفع القدرة التصديرية، ويخفض تكاليف الشحن، ويجعل المنتجات المنجمية الجزائرية أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، كما يعزّز جاذبية الاستثمار الصناعي في محيط الموانئ والمناطق الصناعية القريبة، بما يتيح إدماجا أوسع لسلاسل القيمة محليا بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام في شكلها الأولي.
انفتاح اقتصادي واستدامة
في البعد الاستشرافي، أكّد أنّ أهمية المشروع تبرز في كونه لا يمثل خطا للنقل فقط، بل لبنة ضمن رؤية أوسع لتشكيل منظومة لوجستية منجمية متكاملة، يمكن أن تتحول لاحقا، بحسب توقّعات الخبير، إلى شبكة ربط بين مختلف الأحواض المنجمية والموانئ والمناطق الصناعية.
هذا التطور يفتح الباب أمام توطين صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة أعلى، مثل تحويل الفوسفات إلى أسمدة ومنتجات كيميائية، أو تطوير وحدات فرز ومعالجة وتثمين للمواد المعدنية قرب مناطق الإنتاج، وهو ما يعمّق أثر المشروع اقتصاديا واجتماعيا ويزيد من مردوديته على المدى المتوسّط والبعيد. كما أنّ تعزيز النقل السّككي للبضائع يتقاطع مع متطلبات الاستدامة وتقليص البصمة الكربونية، وهي توجّهات عالمية باتت تؤثر حتى على شروط الولوج إلى الأسواق العالمية، خاصة بالنسبة للمنتجات الصناعية وشبه الصناعية.
من ورشات إلى نتائج ملموسة
في قراءة لتوجيهات رئيس الجمهورية بتسريع وتيرة الإنجاز، اعتبر هباش أنّ ذلك دليل حرص على الانتقال بالمشاريع الاستراتيجية من مجرّد ورشات إلى نتائج ملموسة في آجالها، بما يسمح باستغلال الفرص الاقتصادية المرتبطة بالطلب العالمي على المواد الأولية والتحويلية، وبما يضمن في الوقت نفسه توزيعا أكثر توازنا للتنمية عبر الأقاليم.
وبين رهان التنمية المحلية لولايات الشرق ومطلب الرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني، يبرز مشروع السّكة الحديدية المنجمية واد الكبريت–عنابة، كأحد المشاريع القادرة على إحداث أثر مزدوج، يتمحور في دعم الاستثمار والإنتاج داخليا، وفتح نافذة أكثر فعالية للتصدير خارجيا، في خطوة تتماشى مع التحول التدريجي نحو اقتصاد منتج ومتنوع وأكثر استدامة.



