ركيزة أساسيـة فـي خطط أوروبـــا لتحقيـق الحيـاد المناخـــي
تتسارع التحولات العالمية نحو تبني مصادر الطاقة الجديدة، وتتعاظم رهانات المستقبل الطاقوي بحثاً عن حلول مستدامة لتقليل الكربون من قطاعات الصناعات الثقيلة والنقل البحري والجوي، ووسط هذا المشهد الذي يتّسم بتغيرات هيكلية في أسواق الطاقة، تبرز الجزائر كشريك موثوق وركيزة أساسية في خطط أوروبا لتحقيق الحياد المناخي وتأمين إمداداتها.
جاء التقرير الأخير لمنظمة الأقطار العربية المصدّرة للبترول «أوابك» ليؤكّد هذا المسار، حيث سلّط الضوء على التقدم الملموس الذي تحرزه الجزائر في تطوير صناعة الهيدروجين الأخضر، متوقعاً أن يُسهم ذلك في تعزيز مكانتها كشريك طاقوي رئيسي للقارة الأوروبية على المديين المتوسط والبعيد، ومسلّطاً الضوء على مقوماتها التنافسية.
في سياق متصل، أوضح تقرير «أوابك» أنّ الجزائر تمتلك كافة المؤهّلات لتكون مورّداً رائداً للطاقة النظيفة، مستنداً إلى الموارد الطبيعية الهائلة التي تتمتّع بها، سيما الإشعاع الشمسي المرتفع في المناطق الصّحراوية وطاقة الرياح. وتؤهّل هذه الموارد الجزائر لإنتاج الهيدروجين الأخضر بتكلفة اقتصادية تنافسية تضعها في صدارة الدول المصدرة مستقبلاً.
تُترجم هذه الرؤية عملياً من خلال الشروع في مشاريع الطاقة الشمسية الكبرى، إلى جانب تسريع وتيرة إنجاز محطة شبه صناعية لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته بقدرة 50 ميجاواط في منطقة أرزيو الصناعية. وتعد هذه المنشأة لبنة أساسية نحو بناء سلسلة قيمة متكاملة تشمل الإنتاج، والتحويل، والتصدير، بالتوازي مع جهود الحكومة لضبط الإطار القانوني والمؤسّسي بهدف استقطاب الاستثمارات الأجنبية ونقل التكنولوجيا.
كذلك، يشكّل الموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية ميزة تفاضلية قوية، تدعمها شبكة أنابيب غاز قائمة وممتدة عبر البحر الأبيض المتوسط، والتي يمكن تكييف بنيتها مستقبلاً لنقل نسب محدّدة من الهيدروجين المدمج.
بالإضافة لذلك، يمثل مشروع «ممر الهيدروجين الجنوبي» (SoutH2 Corridor)، الذي يحظى باهتمام أوروبي بالغ، نقطة ارتكاز في استراتيجية التصدير. حيث يهدف هذا المشروع المتعدّد الأطراف، والذي يربط الجزائر بألمانيا مروراً بتونس وإيطاليا والنمسا، إلى نقل نحو أربعة ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً إلى أوروبا، وهو ما يغطي تقريباً 10% من الطلب الأوروبي المتوقّع بحلول عام 2040، ممّا يعكس حجم الاعتماد على القدرات الجزائرية في تأمين هذه المادة الطاقوية.
في نفس السياق، يرى الدكتور لعقون حسن، أستاذ الاقتصاد القياسي في تصريح للشعب، أنّ التوجه الجزائري نحو الهيدروجين الأخضر يستند إلى أسس اقتصادية متينة ومعايير كمية دقيقة تدعم نجاح هذا الخيار. ويوضّح الدكتور لعقون أنّ «تحليل التكلفة والعائد يبرز الأفضلية التنافسية للجزائر بفضل قدرتها على الاستفادة من التكاليف الغارقة في البنية التحتية الحالية المتمثلة في شبكات نقل الغاز. كما أنّ تكييف هذه الأنابيب يقلّص من النفقات الرأسمالية المطلوبة للمشاريع الجديدة مقارنة بالدول التي تضطر لبناء شبكات نقل من الصفر». ويضيف أنّ «المساحات الشاسعة المتاحة لإنشاء محطات الطاقة الشمسية تتيح الاستفادة القصوى من اقتصاديات الحجم، ممّا يؤدي بالضرورة إلى خفض التكلفة الحدية لإنتاج الكيلوغرام الواحد من الهيدروجين ليصبح قابلاً للتسويق بأسعار تنافسية عالمياً».
علاوة على ذلك، يشير الدكتور لعقون إلى أنّ إدراج الهيدروجين الأخضر ضمن المنظومة التصديرية يتيح للجزائر تنويع محفظة إيراداتها، وتقليل درجة الانكشاف المالي على تقلّبات أسعار المحروقات التقليدية في الأسواق الدولية. ويؤكّد وفق المنطق الاقتصادي أنّ «هذه الاستثمارات ستخلق تأثيراً مضاعفاً في الاقتصاد الكلي، يمتد من خلق فرص عمل متخصّصة إلى تعزيز القيمة المضافة المحلية، وهو ما يضمن استقراراً أكبر في ميزان المدفوعات ويعزّز معدلات النمو الاقتصادي خارج قطاع المحروقات».
وبين تحديات التحول الطاقوي العالمي وفرص الاقتصاد الأخضر، تخوض الجزائر خلال السنوات الأخيرة مساراً اقتصادياً وصناعياً واضحاً لترسيخ مكانتها كاقتصاد ناشئ وقوي في المنطقة، وتُظهر المعطيات الحالية والمؤشّرات الميدانية أنّ التوظيف الأمثل للموارد الطبيعية والبنية التحتية المتاحة، مدعوماً بشراكات مؤسّساتية، سيمكّن الجزائر من الحفاظ على دورها المحوري في خارطة الطاقة الدولية وفي معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي، كشريك يوازن بين تلبية الطلب العالمي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.




