يرى الباحث في الطاقات المتجدّدة الدكتور مفلاح عيسى، أنّ الجزائر تعيش مرحلة مهمة في مسارها الاقتصادي والتقني، تتزامن مع إحياء ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات، وفي الوقت نفسه تشهد انطلاقة فعلية نحو تطوير الطاقات المتجدّدة، ويعكس هذا التوجه استمرارية في مفهوم السيادة الوطنية، الذي بدأ باسترجاع الثروات الباطنية في سبعينيات القرن الماضي، ويتواصل اليوم من خلال امتلاك التكنولوجيا وتوطين صناعة الطاقة الخضراء داخل البلاد.
– «الشعب»: نحتفل بذكرى 24 فيفري، وهي محطة محورية لبسط السيادة الوطنية على الموارد الطاقوية، كيف تقرؤون الربط بين قرار تأميم المحروقات في 1971 والتحول الطاقوي الذي نعيشه اليوم في فيفري 2026؟
الباحث في الطاقات المتجدّدة.. مفلاح عيسى: إنّ الرابط بين الحدثين هو رابط وجودي واستراتيجي يتمحور حول مفهوم «السيادة» في عام 1971، استرجعت الجزائر سيادتها على مواردها الباطنية لتبني اقتصادها الوطني واليوم، في فيفري 2026، نحن نقوم بعملية «تأميم ثانية» ولكنها تكنولوجية وعلمية، فالسيادة اليوم لا تعني فقط امتلاك المورد، بل امتلاك التكنولوجيا والقدرة على توليد الطاقة من مصادر نظيفة ومستدامة، فالانتقال الطاقوي في الجزائر ليس مجرّد خيار بيئي أو مواكبة للتوجّهات العالمية، بل هو ضرورة اقتصادية للحفاظ على ثرواتنا من الغاز الطبيعي، حيث تهدف الجزائر من خلال مشاريع 15 جيجاواط إلى توفير حوالي 246 مليون برميل نفط مكافئ سنويا، وهو ما سيسمح بتمديد فترة تصدير المحروقات لأكثر من 8 سنوات إضافية لما بعد عام 2045.
– بلغة الأرقام، ما هو واقع المنظومة الكهربائية الوطنية في الجزائر حاليا وما هي تحديات الطلب التي تواجهها؟
تؤكّد آخر البيانات الرسمية لمطلع عام 2026 أنّ المنظومة الكهربائية الوطنية بلغت قدرة مركبة إجمالية تقدّر بحوالي 27.33 جيجاواط ومع ذلك، سجّلت المنظومة ضغوطا متزايدة، حيث ينمو الطلب السنوي بمعدل 4.5 بالمائة مدفوعا بالنشاط الصناعي والتوسّع العمراني، وفي صيف عام 2025، سجّلت الجزائر ذروة استهلاك تاريخية وصلت إلى 20,628 ميغاواط في 23 جويلية، هذه الأرقام تترجم إلى استهلاك ضخم للغاز الطبيعي في محطات التوليد، والذي بلغ حوالي 22.2 مليار متر مكعب وفق آخر حصيلة سنوية، وهنا تبرز الأهمية التقنية للطاقات المتجدّدة كحل استراتيجي لا غنى عنه لتخفيف هذا الضغط وحماية الميزان الطاقوي للبلاد، خاصة وأنّ نسبة الربط الوطنية بالكهرباء بلغت 99 بالمائة لتغطي احتياجات أكثر من 12 مليون مشترك.
– أين وصلت الجزائر ميدانيا في تنفيذ برنامجها الطموح لإنتاج الطاقة الشمسية؟ وما هي آخر المستجدات بخصوص محطات التوليد الكبرى في فيفري 2026؟
الجزائر دخلت فعليا مرحلة «التوليد الصناعي المكثف» فالإحصائيات الرسمية الحالية تشير إلى وجود 446 ميغاواط مشغلة ومرتبطة بالشبكة الوطنية، بينما توجد قدرة ضخمة تقدّر بـ 2,620 ميغاواط في مراحل متقدمة جدا من البناء والإنشاءات، فمطلع هذا العام شهدنا نقلة نوعية بتدشين محطتي «لغروس» بولاية بسكرة و»تاندلة» بولاية المغير بقدرة 200 ميغاواط لكل منهما، لتنضما إلى الشبكة الوطنية، وتستخدم هذه المحطات تقنيات متطورة مثل الألواح ثنائية الوجه ونظام التتبّع الشمسي لرفع الكفاءة الإنتاجية، فالجزائر أصبحت اليوم تضيف أكثر من 1.2 جيجاواط سنويا لقدراتها الإنتاجية، والعمل يجري الآن في 20 موقعا عبر التراب الوطني لضمان استكمال دفعات مشروع 3000 ميغاواط.
– تولي الدولة أهمية قصوى لتوطين الصناعة لتقليل التبعية للخارج، ما هي القيمة المضافة لمشروع مصنع ولاية سعيدة، الذي انطلقت أشغاله مطلع 2026؟
يمثل مطلع عام 2026 الانطلاقة الفعلية لأشغال بناء «مصنع تجهيزات الطاقات المتجدّدة» بولاية سعيدة ببلدية سيدي أحمد. هذا المشروع، الذي يتربّع على مساحة 50 هكتاراً ويُنجز بشراكة مع مؤسّسة تركية متخصّصة، يعد الرّكيزة الأساسية لتوطين صناعة الألواح الشمسية والبطاريات وأنظمة تخزين الطاقة محلياً. تكمن الأهمية التقنية لهذا المصنع في معالجة إحدى أكبر العقبات، وهي «تقطع الطاقة الشمسية»، حيث أنّ إنتاج أنظمة التخزين سيسمح بحقن الكهرباء في الشبكة حتى في غياب الإشعاع الشمسي، فنحن ننتقل من مرحلة تجميع الألواح إلى مرحلة خلق «سلسلة قيمة» متكاملة ترفع نسبة الإدماج الوطني لتتجاوز 35 بالمائة حاليا، مع خطط لتخطي 60 بالمائة مستقبلا، ممّا سيوفر آلاف مناصب الشغل الدائمة للشباب.
– يبرز الهيدروجين الأخضر كرهان مستقبلي كبير للجزائر، هل توجد الإمكانات للدخول بقوة في هذا السوق العالمي، وما هي مشاريع الربط القاري المستهدفة؟
الجزائر اليوم تصنف كأحد أهم الأسواق النشطة عالميا في مجال الهيدروجين الأخضر، نحن نملك ميزات تنافسية فريدة: إشعاع شمسي يتجاوز 3000 ساعة سنويا، وشبكة أنابيب غاز عملاقة تربطنا بأوروبا يمكن إعادة تأهيلها لنقل الهيدروجين بتكاليف منخفضة، مشروع «ممرّ الهيدروجين الجنوبي» الذي يربط حاسي رمل بألمانيا وإيطاليا والنمسا بطول 3300 كم هو مشروع القرن، حيث يتم التخطيط لتصدير 4 ملايين طن سنويا بحلول 2030، كما أنّ مشروع الربط الكهربائي البحري مع إيطاليا بقدرة 2000 ميغاواط يسير بخطى ثابتة، ممّا سيحول الجزائر إلى «بطارية خضراء» للقارة الأوروبية، ويضمن تدفّقات مالية ضخمة خارج قطاع المحروقات التقليدي.
– ما هو الأثر الاقتصادي والاجتماعي المتوقّع من تنفيذ البرنامج الوطني لـ 15 جيجاواط بحلول عام 2035؟
الأثر سيكون هيكليا فمن الناحية المالية، تقدّر القيمة الاقتصادية للوقود الموفّر سنويا بحوالي 19.7 مليار دولار، واجتماعيا سيخلق هذا البرنامج حوالي 45 ألف وظيفة جديدة للشباب، والأهم هو تحقيق «العدالة الطاقوية»، حيث تساهم الأنظمة الشمسية الفردية في إيصال الكهرباء للمناطق النائية والمعزولة في الجنوب والهضاب العليا، ممّا يدعم الاستقرار السكاني ويشجّع الاستثمار الفلاحي عبر توفير الطاقة لضخّ المياه والرّي الزراعي، هذا التوجه يقلّل الأعباء المالية عن الدولة التي تدعم فواتير الكهرباء في تلك المناطق بأكثر من 20 مليار دينار سنويا، ويؤكّد أنّ الجزائر تمتلك إمكانات هائلة من الطاقة الشمسية وجب استغلالها أحسن استغلال.
– بعيدا عن الطاقة الشمسية، تمتلك الجزائر تنوعا هائلا في المصادر المتجدّدة الأخرى، كيف تقيمون إمكاناتنا في طاقة الرياح والحرارة الأرضية (الجيوحرارية) والكتلة الحيوية؟
السؤال يعالج جوهر «المزيج الطاقوي المتوازن»، فالجزائر ليس بلدا شمسيا فحسب، بل هي عملاق نائم في مجال طاقة الرياح، حيث تتوفر البلاد على مواقع استراتيجية، لا سيما في «منطقة كابيرتين» بأدرار والمناطق الساحلية والهضاب العليا، حيث تفوق سرعات الرياح المعدلات المطلوبة للإنتاج الصناعي، نحن نملك حاليا 10 ميغاواط مشغلة بأدرار، لكن الدراسات الحالية مع البنك الدولي تستهدف إطلاق 1000 ميغاواط عبر 10 مواقع ريحية كبرى، وبالنسبة للطاقة الجيوحرارية، فإنّ الجزائر تزخر بأكثر من 200 منبع للمياه الحارة أو ما يعرف بـ «الحمامات المعدنية» (مثل حمام المسخوطين، ريغة، وبوغرارة)، وهي خزان هائل لإنتاج الكهرباء والتدفئة، حيث تستهدف الاستراتيجية الوطنية إنتاج 15 ميغاواط كمرحلة أولى من الحرارة الأرضية. كما يتم التخطيط لدمج 1000 ميغاواط من «الكتلة الحيوية» بحلول 2030 عبر تثمين النفايات العضوية، ورفع قدرات الطاقة المائية التي تساهم حالياً بـ 222 ميغاواط، هذا التنوع يضمن لنا استمرارية التزويد الطاقوي حتى في غياب الشمس أو الرياح.
– كيف ينبغي أن ينظر العمال والباحثين والشباب الجزائري خصوصا لهذه المناسبة التاريخية؟
السيادة التي حقّقها آباؤنا بالقرار الاقتصادي الشجاع في 1971، هي اليوم أمانة في أعناقنا لنحافظ عليها بالعلم والابتكار، فالجزائر اليوم تمتلك كل مقومات الريادة: المورد الطبيعي الهائل، الإرادة السياسية الصادقة، والكفاءات العلمية المخلصة، فمسيرة التحول الطاقوي هي العهد الجديد لبناء جزائر خضراء، قوية، ومستقلة، تضمن العيش الكريم لأبنائها وتفرض مكانتها كقطب عالمي للطاقة النظيفة في المستقبل القريب.






