طاقة متجدّدة تدفع الحاضر نحو آفاق أوسع
احتفلت الجزائر، بحر الأسبوع الجاري، بالذكرى المزدوجة لتأسيس المركزية النقابية وتأميم المحروقات، تلك الخطوة السيادية الكبرى التي حسمت استرجاع الثروة الوطنية، قبل أن تحيي، أمس، ذكرى مظاهرات 27 فيفري 1962 التي خرج فيها الجزائريون في ورقلة وعديد مدن الجنوب، تأكيدا لوحدة التراب الوطني ورفضا لكل المشاريع التقسيمية، التي راهنت عليها فرنسا الاستعمارية في أيامها الأخيرة.
في كل محطة من محطات الذاكرة الوطنية، تستحضر الجزائر تاريخها لا بوصفه سردا للماضي، بل باعتباره طاقة متجدّدة تدفع الحاضر نحو آفاق أوسع.
وقد شكّلت مظاهرات 27 فيفري لحظة فارقة في مسار الثورة التحريرية؛ إذ عبر الجزائريون، بوعي سياسي عميق، عن تمسّكهم بجزائر واحدة موحّدة، من الشمال إلى أقصى الجنوب.
كانت الرسالة واضحة: من عليه أن يرحل هو الاستعمار، أمّا الجزائر فهي وطن لا يقبل القسمة. وبذلك، تكرّست في الوجدان الوطني معادلة الوحدة والسيادة بوصفهما وجهين لعملة واحدة، لا يمكن التفريط في أحدهما دون المساس بالآخر.
وعندما قرّرت الدولة الجزائرية بعد الاستقلال تأميم المحروقات، كانت تستكمل معركة السيادة ولكن بلغة الاقتصاد، لم يكن القرار مجرّد إجراء تقني يخص قطاع الطاقة، بل كان إعلانا صريحا بأنّ الثروات الباطنية ملك للشعب، وأنّ التحكّم في النفط والغاز هو شرط أساسي لبناء دولة قوية.
وقد نجحت الجزائر، عبر عقود، في ضمان استمرارية الإنتاج والتسويق، وترسيخ مكانتها كمموّن طاقوي موثوق لشركائها الأجانب، مع الحرص على توظيف العائدات في دعم مسار التنمية الوطنية.
إنّ استحضار ذكرى التأميم ومظاهرات 27 فيفري في سياق واحد، يبرز دلالة رمزية عميقة: فالوحدة الوطنية التي حماها الجزائريون بدمائهم، هي ذاتها التي تحمي اليوم خيارات الدولة الاقتصادية. والسيادة التي انتزعت في ميادين الكفاح المسلّح، تصان الآن عبر القرارات الاستراتيجية والاستثمار في المشاريع المهيكلة. ومن هذا المنطلق، يتأسّس الطموح المعلن بالانضمام إلى نادي الدول الناشئة، كما أكّده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة، على قاعدة صلبة قوامها الوفاء للذاكرة الوطنية والبناء على مكتسباتها.
التزام وطني فعلي
الوفاء للشّهداء ليس شعارا عاطفيا يرفع في المناسبات، بل هو التزام عملي يترجم في رسم سياسات تنموية تستهدف تقوية الجبهة الداخلية، وتحقيق العدالة المجالية، وتقليص الفوارق بين مختلف مناطق الوطن. وفي هذا السياق، تبرز مشاريع البنية التحتية الكبرى، وفي مقدمتها مشاريع السكك الحديدية العملاقة التي أنجز جزء معتبر منها في الجنوب الغربي، فيما تتواصل الأشغال شرق البلاد، ضمن رؤية استراتيجية لربط الشمال بأقصى الجنوب.
هذه الخطوط الحديدية، ليست مجرّد روافد اقتصادية تسهّل نقل الأشخاص والبضائع، بل تمثل في رمزيتها شرايين تمتد في جسد الجزائر الواحد، تعزّز تلاحمه وتؤكّد أنّ الدولة ماضية في الوصول إلى كل مناطق الوطن دون استثناء. فحين تتقاطع السكة الحديدية مع الصّحراء، وتخترق المسافات الشاسعة، فإنها تختصر رسالة سياسية وتنموية مفادها أنّ الجنوب ليس مجرد مساحة شاسعة، بل عمق استراتيجي ورافعة أساسية للنمو.
ولا يتوقف الأمر عند قطاع النقل، بل يشمل جملة من المشاريع المهيكلة في مجالات الطاقة والمياه والفلاحة والصناعة، التي تستهدف تثمين الموارد المحلية وخلق مناصب شغل، مع إشراك الكفاءات الوطنية في مختلف مراحل الإنجاز.
ويمثل صقل الطبيعة وتثمين خيراتها، جزءا أصيلا من تقوية الروح الوطنية، فكل مشروع ينجز في أقصى الجنوب أو في الهضاب أو في الشمال الساحلي، هو لبنة إضافية في بناء اقتصاد متنوع وأكثر صلابة.
وما يميّز الجهد العمومي الحالي أنه مؤطّر بوعي تاريخي يستحضر دروس الثورة وتضحيات الشّهداء والمجاهدين، ويستند إلى إرادة شعبية جامحة في رؤية الجزائر أقوى من التحديات، وأكثر قدرة على مواجهة التقلبات الدولية والمؤامرات التي تستهدف استقرارها. وما تطمح الجزائر إلى تجسيده يرقى إلى مشروع حضاري يقوم على حماية الوحدة الوطنية بأقصى طاقة ممكنة، وصون القرار السيادي، وتحصين الجبهة الاجتماعية عبر التنمية الشاملة.
الجزائر، وهي تستعيد هذه المناسبات الرمزية، لا تنظر إلى الماضي بحنين جامد، بل تستلهم منه عناصر القوة للمضي قدما. فالوحدة التي صانها الأجداد، والسيادة التي استرجعوها، تشكّلان اليوم الأساس الصلب لنموذج تنموي يسعى إلى إدماج البلاد ضمن مصاف الدول الناشئة، عبر اقتصاد منتج، وبنية تحتية عصرية، ومجتمع متماسك يؤمن بأنّ قوة الجزائر في وحدتها، وأنّ مستقبلها يبنى بسواعد أبنائها في كل ربوع الوطن.

