بينما تقترب الشمس من المغيب وتخلو الشوارع تدريجياً من المارة، تنبض المحطة البرية بولاية معسكر بحركة استثنائية؛ هنا حيث ترتفع “الخيمة الكبيرة” للهلال الأحمر الجزائري، لا صوت يعلو فوق صوت التضامن والعمل الدؤوب لرسم الابتسامة على وجوه الصائمين.
في الدقائق الأولى من غروب شمس النهار، تتجه الأنظار في ولاية معسكر نحو تلك الخيام والمطاعم التي تزينها الشارة الحمراء الدولية.
مائدة تجمع الصّائمين من كل حدب وصوب
لكن خلف الوجبات الساخنة والأطباق المزينة، تقف قصة إنسانية أبطالها شباب نذروا وقتهم وجهدهم لخدمة الآخرين، هنا في “عاصمة الأمير عبد القادر”، لا يقتصر نشاط الهلال الأحمر الجزائري على تقديم الطعام فحسب، بل يتحول إلى مدرسة حقيقية لترسيخ قيم المواطنة والعمل التطوعي.
فمع اقتراب موعد الأذان، تتحول الخيمة الكبيرة التي تم نصبها في المحطة البرية إلى خلية نحل، متطوعون بالسترات الحمراء المعروفة ينتشرون في كل زاوية، يرتبون الموائد ويوزعون الأطباق التقليدية المحلية، “الحريرة”، “المحمر”، واطباق متنوعة، كلها حاضرة على مائدة لا تفرق بين غني أو فقير، أو عابر سبيل تقطعت به السبل، على غرار الأستاذة سامية وهي شابة في الثلاثينات من العمر، التي تأخرت عن ركوب آخر حافلة تقلّها إلى منزلها في بلدية وادي الأبطال – نحو 45 كلم عن مقر عملها – أو عائلة العم موسى التي كانت متوجهة إلى وهران قادمة من سعيدة قبل أن يداهمها وقت الإفطار في مدينة معسكر..وغيرهم من عابري الطريق الوطني رقم 6 نحو الجنوب من سائقي شاحنات نقل البضائع.
شهادات من قلب المعركة الإنسانية
وبينما كانت ملامح القلق والتفكير بادية على الأستاذة سامية، طمأنتها إحدى المتطوعات “سنوفر لك مركبة لنقلك إلى بيتك وإن شئت فبيوتنا مفتوحة لك..”، وعلى الطاولة المقابلة، اصطف نحو 50 رجلا من مختلف الأعمار، يتشاركون الافطار الرمضاني، من بينهم عبد الباسط القادم من ولاية تيبازة والمتوجه إلى ولاية تندوف، فاجأنا بانطباعه قائلا: “هذه معسكر بلاد الجود والكرم..لم أكن أتوقع أن أجد طبق المحمر بلحم الغنم بهذه الكمية والنوعية والمذاق الرائع على طاولة مطعم الرحمة!”.
من جانبها، عبرت عائلة العم موسى عن امتنانها العميق لهذه اللفتة الكريمة، حيث صرح رب العائلة قائلاً: “وجدنا الكثير من الترحيب والظروف الحسنة والنظافة. بارك الله في هؤلاء الشباب وفي كل من ساهم في هذا الخير”.
شباب شغوف بالعمل التّطوّعي
المثير للإعجاب في هذه المبادرة التي تعد سابقة في مسيرة العمل الميداني للهلال الأحمر الجزائري بمعسكر، هو الحضور الطاغي لفئة الشباب. إلياس، ريان، نسرين وغيرهم من المتطوعين الجدد، وجدوا في الهلال الأحمر منصة للتعبير عن قيمهم الإنسانية، حيث يقول أحد الشباب المتطوعين: “التطوع يفتح القلب، ونحن هنا لاكتساب الخبرة وخدمة مجتمعنا، ندعو كل الشباب للالتحاق بنا والمساهمة في هذا العمل الخيري”.
وفي جولة استطلاعية داخل “مطعم الإفطار” بالمحطة البرية، التقينا بـ “إلياس”، شاب في مقتبل العمر انضم للهلال الأحمر منذ ثلاث أشهر. يقول وعلامات الفخر تبدو عليه: “التطوع غيّر نظرتي للحياة. في البداية كنت أظن أنني أقدم المساعدة للناس، لكنني اكتشفت أنني أنا من يستفيد؛ التطوع يهذب النفس ويمنحك شعوراً بالرضى الداخلي لا يمكن وصفه. عندما أرى ابتسامة مسافر وجد مائدة دافئة في وقت كان يظن فيه أنه سيفطر وحيداً، أنسى كل تعب النهار”.
أما “هاجر”، وهي طالبة جامعية اختارت قضاء فترة العطلة في خدمة الصائمين، فقد أكدت أن العمل داخل المطبخ يعلم الصبر والانضباط: “نحن نعمل كفريق واحد، من غسل الأواني إلى تزيين الأطباق. نحن هنا نمثل روح الجزائر. ندعو كل أقراننا من الشباب للالتحاق بصفوف الهلال الأحمر، فالمجتمع يحتاج لطاقتنا، والعمل الخيري هو أفضل وسيلة لتفريغ هذه الطاقة فيما ينفع الناس”.
من جهة أخرى، تشير السيدة أم جواد المشرفة على الطبخ: “نحن نطبخ هنا وكأننا نطبخ لأبنائنا في البيوت. الجودة والنظافة خط أحمر، لأننا نعتبر ضيوف الهلال الأحمر هم ضيوفنا الشخصيون. رمضان في معسكر له نكهة خاصة بفضل هذه اللمة الإنسانية”. وفي حديث آخر لإحدى المتطوعات داخل المطبخ، أكدت نسرين الطالبة الجامعية، أن “رمضان ليس مجرد شهر للصيام، بل هو شهر العطاء، نحن هنا لنقدم ولو جزءاً بسيطاً يسعد العائلات وعابري السبيل”، هذه الروح الإيجابية لدى الشابة العشرينية، تعكس الفلسفة التي يقوم عليها الهلال الأحمر في ولاية معسكر، حيث يتم تحضير مئات الوجبات يومياً وفق معايير عالية من النظافة والجودة، ويقوم على هذه المهمة الطبيب المتطوع في فريق عمل الهلال الأحمر الجزائري، الدكتور مومن بن عودة.
نداء للمستقبل
وعن تجربة الهلال الأحمر الجزائري بولاية معسكر خلال هذا الشهر الكريم، يقول رئيس اللجنة الولائية سيد أحمد مقدم، أن العمل التطوعي هو “المحرك الصامت” للمجتمع. وعليه يظل الباب مفتوحاً لمزيد من الدعم والمنخرطين، مؤكدا أن الهدف من هذا الواجب ليس فقط إطعام الصائمين، بل بناء جيل من المتطوعين يؤمن بأن العطاء هو أرقى أشكال الوجود الإنساني، مشيرا إلى أن فلسفة التطوع تتجاوز المساعدة المادية؛ إلى اعتبارها محاولة لخلق جو عائلي لمن لا عائلة له في هذه اللحظات الحميمة من اليوم، مضيفا أن المتطوعين يدركون أن “لقمة الإفطار” التي يقدمونها لعابر سبيل أو لشخص معوّز، تحمل في طياتها رسالة طمأنة بأن المجتمع لا يزال بخير، وأن التكافل هو الحصن المنيع في وجه كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
أرقام تعكس حجم الجهد
ووفقا لرئيس اللجنة الولائية للهلال الأحمر بمعسكر، فقد تم افتتاح 8 مطاعم إفطار الصائمين موزعة عبر بلديات الولاية (بوحنيفية، المحمدية، مقطع دوز..وغيرها)، حيث يتراوح عدد الوجبات المقدمة يوميا ما بين 1500 إلى 2000 وجبة، بالإضافة إلى الوجبات المحمولة التي توزع على العائلات المعوزة.






