إعادة بنـاء جســـور الحـــوار بين مختلــــف دول وشعـــوب العــــالم
تتجه أنظار العالم في منتصف شهر أفريل القادم نحو الجزائر، التي تستعد لاستقبال قداسة البابا ليون الرابع عشر في زيارة تتجاوز المعطيات الظرفية لتلامس عمق التاريخ الروحي والفكري المشترك بين الضفتين.
وتأتي هذه الزيارة التاريخية في سياق دولي وإقليمي شديد الحساسية يتطلب بشكل جدي استحضار المشتركات الإنسانية وإعادة بناء جسور الحوار بين مختلف دول وشعوب العالم، من خلال تتبع الجذور التاريخية التي تربط الفاتيكان بالشمال الإفريقي، واستقراء الديناميكيات الحالية، حيث يمكن فهم الدور الجيوسياسي والدبلوماسي المتجدد الذي تضطلع به الجزائر كفاعل حضاري متزن على مر العصور.
ولفهم الدلالات العميقة لهذه الزيارة، يجب الانطلاق من النقطة المركزية التي ألهمتها، والمتمثلة في شخصية القديس أوغستين، هذا المفكر الذي صاغ أسس اللاهوت والفلسفة الغربية، وُلد في مدينة سوق أهراس وتحديدا في منطقة مداوروش وقضى أهم فترات عطائه الفكري كأسقف لمدينة هيبون عنابة حاليا، وبالإضافة إلى مكانته الدينية والفلسفية الكبيرة، كان أوغستين يعتز بجذوره الأمازيغية، حيث دوّن بوضوح عبارته الشهيرة «أنا إفريقي»، مؤكداً ارتباطه العضوي والجغرافي بهذه الأرض المباركة. كما أن مسيرته وتأثيره لم يصلنا إلا عبر جهود رفيق دربه وتلميذه، أسقف مدينة قالمة (بوسيديوس)، الذي وثّق سيرته وحفظ جزءا كبيرا من إرثه، واستقراء هذا التاريخ يبين أن الشرق الجزائري في تلك الفترة كانت مركزاً حيوياً لإنتاج المعرفة وتصديرها إلى أوروبا. واليوم، تقف كنيسة القديس أوغستين في عنابة، إلى جانب معلم السيدة الإفريقية في العاصمة، كشواهد معمارية حية على تجذر هذا الوجود التاريخي وتنوع النسيج الثقافي للجزائر، وكذلك يبين التسامح الديني الذي طبع الجزائر طيلة تاريخها القديم والحديث، بالرغم من أن الاستعمار الفرنسي طيلة 130 سنة حاول بجهد وبشكل عنيف طمس الهوية الوطنية والاسلامية.
السلام والعودة للأدوار التاريخية
وفي سياق متصل، يرى العديد من المتابعين أن الأهمية الراهنة للزيارة الحالية تكمن في الشعار الذي تحمله ألا وهو «السلام»، واختيار البابا ليون الرابع عشر للجزائر كوجهة رئيسية، وهو الذي أعلن صراحة أنه «أوغسطيني المنهج»، يمثل اعترافاً مؤسسياً مهما بتأثير الجزائر منذ قرون خلت في صياغة الوعي الغربي، وبالنسبة لـ العالم اليوم، الذي يشهد استقطابات حادة وتوترات متصاعدة، من شأن هذه الزيارة أن تدعم جهود السلام في العالم بأسره. وتعود الجزائر هنا لأدوارها التاريخية العادية كجسر للسلام والعيش المشترك بين مختلف الأديان، كما أن توفير البيئة الحاضنة لهذه الكنائس التاريخية يعكس ممارسة فعلية للتسامح، ويقدم مقاربة جزائرية تعتبر التراث الإنساني المشترك عنصر تكامل، لا مصدر صدام.
كذلك، وبالنظر لمستوى الاستعدادات التي تشرف عليها أعلى السلطات بما في ذلك الإشراف الشخصي لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، يتضح أن الجزائر تدرك تماماً الأبعاد الاستراتيجية لهذا الحدث الهام، وتعمل الدبلوماسية الجزائرية على الاستثمار في هذه المحطة لتعزيز حضور «القوة الناعمة» للبلاد على الساحة الدولية.
علاوة على ذلك، تقدم هذه الزيارة رداً حضارياً وموضوعياً على الخطابات الخارجية التي تحاول عبثاً تسويق صورة مشوهة عن الجزائر أو تصويرها كدولة معزولة عن جوارها الإقليمي، واستقبال مرجعية روحية عالمية بهذا التأثير يتابعها ملايين البشر يضع الجزائر في قلب النقاش العالمي والمتوسطي تحديدا، ويبرزها كفاعل إقليمي يتمتع بشرعية تاريخية وثقل دبلوماسي لا يمكن تجاوزه، خاصة وأن الفضاء المتوسطي والإفريقي يواجه تحديات معقدة مرتبطة بأسئلة الهوية وتصاعد خطابات التطرف، وتأتي هذه الدبلوماسية الروحية لتأكيد متانة العلاقات بين الجزائر والفاتيكان، مبينة أن الحوار بين الضفتين هو خيار استراتيجي مدروس لضمان الاستقرار على المدى الطويل.




