تعود إلى الواجهة مع رمضان، صناعة منزلية عريقة ارتبطت بالذاكرة الجماعية للجزائريين، هي تحضير ماء الزهر، ذلك السائل العطر الذي لا تكاد تخلو منه موائد الشهر الفضيل. إنه مع مرور الزمن تحول إلى صناعة منزلية رفيعة الجودة.
في مدن مثل بوفاريك والبليدة والقليعة وقسنطينة والعاصمة، تتحول البيوت إلى ورشات صغيرة تقليدية، حيث تقطف أزهار البرتقال بعناية في موسمها، ثم تقطر بطرق توارثتها العائلات جيلا بعد جيل. هذه الحرفة ليست مجرد نشاط موسمي، بل طقس اجتماعي يعبر عن روح التضامن والعمل الجماعي، إذ تتشارك النساء في الجمع والفرز والتحضير وسط أجواء يغمرها عبق الزهر وحديث الذكريات.
اقتربت “الشعب” من إحدى الحرفيات التي ورثت هذه الحرفة عن جدتها، حيث قالت صباح الأربعينية والتي التقيناها بأولاد يعيش بالبليدة، وكانت منشغلة بترتيب قواريرها الزجاجية عند طلب قارورتين من نصف لتر لكل واحدة، فردت عن أسئلتنا الصغيرة بتلقائية: “إن تحضير ماء الزهر بالنسبة لي ليس مجرد عمل موسمي، بل هو تقليد ورثته عن والدتي وجدتي. مع بداية تفتح أزهار البرتقال أشعر أن رمضان قد اقترب. عملية التقطير تحتاج صبرا ودقة، وأحرص دائما على أن يكون المنتوج طبيعيا وصافيا كما تعلمنا. زبائني يعرفون الفرق ويعودون كل سنة لأنهم يبحثون عن الجودة والنكهة الأصيلة..ومدينة الورود ذائعة الصيت في تحضير أفضل مادة على الإطلاق”.
من جهتها، أكدت السيدة فاطمة الزهراء التي يبدو من ملامحها أنها سبعينية، وهي زبونة معتادة من العاصمة: “لا يمكن أن أستقبل شهر رمضان من دون ماء الزهر المقطر الطبيعي. أستعمله في الحلويات وفي القهوة وحتى في بعض المشروبات. جرّبت المنتوجات الجاهزة، لكنها لا تحمل نفس الرائحة ولا نفس الطعم..يبقى مميزا، وله بركة خاصة”.
أما السيدة نادية خمسينية، تنحدر من مدينة القليعة، وتقطن بالبليدة، فتعتبره جزءا من طقوس الاستعداد للشهر الفضيل، قائلة: “إن شراء ماء الزهر عادة سنوية لا أتنازل عنها. أحب أن أقتنيه من صانعات يعرفن أسرار المهنة. أشعر أنني أحافظ بذلك على تقليد قديم وأدعم في الوقت نفسه عائلات تعتمد على هذه الحرفة كمصدر رزق”.
ويحافظ ماء الزهر الطبيعي على مكانته الخاصة بفضل جودته الطبيعية ونكهته الأصيلة، ما جعله يحظى بزبائن أوفياء يفضلونه على المنتجات الصناعية. يستخدم في تحضير الحلويات التقليدية كالمقروط والزلابية وقلب اللوز، كما يضاف إلى القهوة وبعض المشروبات الرمضانية، ليضفي لمسة عطرية مميزة. ورغم بساطة الأدوات المستعملة، فإن هذه الصناعة المنزلية تمثل مورد دخل إضافي لكثير من العائلات، وتعكس قدرة التراث المحلي على الصمود والتجدد. فماء الزهر في رمضان ليس مجرد مكون غذائي، بل رمز لعراقة تقاليد جزائرية ما تزال تنبض بالحياة في كل بيت.
ومع حلول شهر رمضان، لا تقتصر الاستعدادات في البيوت الجزائرية على اقتناء المواد الغذائية فحسب، بل تبدأ أيضا طقوس موسمية متوارثة تعبق برائحة الأصالة، وفي مقدمتها تحضير ماء الزهر. هذا السائل العطر، المستخلص من أزهار البرتقال، يشكل جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الرمضانية، ويختزن في قطراته تاريخا طويلا من العادات الاجتماعية والصناعات المنزلية التي لا تزال صامدة رغم تغير أنماط الاستهلاك.
في مدن مثل بوفاريك والبليدة والقليعة وقسنطينة والعاصمة، يتحول موسم تفتح أزهار البرتقال إلى موعد سنوي تنتظره العائلات بشغف. مع بزوغ الفجر، تقطف الأزهار البيضاء بعناية فائقة للحفاظ على جودتها، ثم تفرز وتغسل قبل أن تخضع لعملية التقطير التقليدية.
ورغم التطور الصناعي وتوفر البدائل الجاهزة في الأسواق، يظل ماء الزهر المحضر في البيوت عنوانا للأصالة والاستمرارية. إنّه دليل على أن بعض العادات لا تندثر، بل تتجدد مع كل موسم، محافظة على روح المكان وذاكرته. ففي كل قطرة ماء زهر، تختبئ قصة أرض طيبة، وأيد ماهرة، وبيوت جزائرية تستقبل رمضان بعبق لا يشبه سواه.




