نموذج وطني في بناء اقتصاد فلاحي قائم على التنافسية
بلادنا ضمن أكبر البلدان المنتجة والمصدرة بحجم إنتاج يقدر بـ 1.3 مليون طن
مكانة دولية .. و”دقلة نور” تتربع على عرش الجـودة بالأسواق الخارجيـة
تتبوأ الجزائر مكانة رائدة في الخارطة العالمية لإنتاج التمور، باحتلالها المرتبة الثالثة عالميا، هذا الإنجاز ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو ثمرة استراتيجية وطنية تهدف إلى جعل الفلاحة الصحراوية قاطرة للاقتصاد الوطني خارج المحروقات، وتملك الجزائر كل المقومات التي تؤهلها لتكون قوة عالمية رائدة في سوق التمور، بفضل تنوعها البيولوجي الاستثنائي، وخبرتها التاريخية في خدمة النخيل، والمكانة الدولية التي تحظى بها أصنافها، وعلى رأسها “دقلة نور” التي تتربع على عرش الجودة في العديد من الأسواق الخارجية.
وفق آخر إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، المتعلقة بترتيب الدول المنتجة والمصدرة للتمور، احتلت الجزائر المركز الثالث ضمن أكبر البلدان المنتجة والمصدرة للتمور، بحجم إنتاج يقدر بـ 1.3 مليون طن، وراء مصر بـ 1.9 مليون طن، تليها السعودية بـ 1.6 مليون طن، هذا التموضع يضع التمور الجزائرية في واجهة المنافسة الدولية، ويعكس القفزة النوعية في المساحات المزروعة وعدد النخيل المنتج الذي تجاوز الـ 20 مليون نخلة.
وتضم الجزائر أكثر من 1000 صنف من التمور، وهو ما يمنح هذه الشعبة قاعدة قوية للتنوع التجاري والتسويقي، ويشكل ثروة وراثية نادرة قادرة على دعم استراتيجية تنويع الصادرات وعدم الاكتفاء بصنف واحد، خاصة وأن برامج الدعم الوطنية وتشجيع الاستثمار الفلاحي يسمح بتوسيع المساحات المغروسة، ورفع حجم الإنتاج السنوي، ما يعزز الحضور الجزائري في السوق الدولية، ناهيك عن الخبرات المحلية المتراكمة في الزراعة، السقي، الوقاية، وجني المحصول، التي تمثل رصيدا معرفيا ثمينا.
دقلة نور… واجهة الجزائر في الأسواق العالمية
وتبقى “دقلة نور” أبرز سفير للتمور الجزائرية في الخارج، حيث تتربع على عرش الجودة في عدة أسواق، مدعومة بخبرات محلية متراكمة في خدمة النخيل، تشمل الزراعة، السقي، الوقاية، وجني المحصول.
وساهمت برامج الدعم الوطني وتشجيع الاستثمار الفلاحي في توسيع المساحات المغروسة ورفع حجم الإنتاج سنويا، غير أن الحفاظ على هذه المكانة العالمية، حسب البروفيسور فوزي بن إبراهيم خبير في الزراعة الصحراوية وعضو المجلس العلمي الوطني للأمن الغذائي، في مداخلة علمية له في الصالون الدولي للتمور المنظم بالجزائر، مؤخرا، يتطلب الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها العصرنة الشاملة.
حلول عملية لعصرنة الشعبة
وأكد البروفيسور بن إبراهيم أن عصرنة شعبة التمور تبدأ على مستوى الإنتاج، من خلال إعادة تأهيل النظام الواحاتي لما يتيحه من تنوع في الأصناف، وإدخال تقنيات السقي الذكي لتقليل هدر المياه، واستخدام المكننة في الجني وأشغال الخدمة، والاعتماد على الإكثار النسيجي لإنتاج فسائل محسنة مقاومة للأمراض والجفاف.
كما دعا إلى الرصد المبكر للأمراض والآفات باستخدام تطبيقات ذكية وحساسات للكشف المبكر، واستعمال المصائد الفيرومونية والتعقيم الحراري، إلى جانب توظيف الطائرات دون طيار في المعالجة والتلقيح، مستشهدا بدراسة أنجزت في سلطنة عمان سنة 2022 أثبتت أن استخدام الدرون في التلقيح لا يؤثر على كمية أو نوعية المحصول، بل يقلص الوقت والتكلفة.
وشدد على أهمية تثمين الأصناف الأخرى وتشجيع غرسها، مع اعتماد برامج تكوين للمنتجين حول ممارسات الزراعة الجيدة، واستخدام الدرون للمراقبة والمتابعة.
أما على مستوى ما بعد الجني، فدعا إلى تطوير وحدات الفرز الآلي حسب الحجم والجودة، وإنشاء مراكز جهوية ومحلية للتخزين والتبريد، واعتماد بروتوكولات موحدة للتعبئة والتغليف بمواصفات مطابقة للمعايير الدولية.
وفي مجال التحويل، أكد ضرورة دعم وحدات إنتاج مشتقات التمر ذات القيمة المضافة، مثل معجون التمر، سكر التمر، الخل، مشروبات الطاقة الطبيعية، أعلاف من نواة التمر، وكذا تطوير وحدات لتحويل مخلفات النخيل إلى مصنوعات خشبية ومكونات علفية.
التوسيم والاعتماد… بوابة العالمية
واعتبر الخبير أن تعزيز المكانة العالمية للتمور الجزائرية يمر عبر نظام متكامل للتوسيم والشهادات والاعتماد، فالتوسيم، حسبه، يمنح المنتج علامة تثبت التزامه بمعايير محددة وطنيا أو دوليا، ويوفر ضمانا للمستهلك، ويساعد في تثمين المنتج ورفع قيمته التسويقية، ويميز بين الأصناف، ويسهل التصدير، ومن أمثلته توسيم الجودة، والمؤشر الجغرافي المحمي (IGP) مثل “دقلة نور بسكرة”، وتسمية المنشأ المحمية (AOP) التي تشترط أن تتم جميع مراحل الإنتاج داخل المنطقة، إضافة إلى التوسيم البيولوجي (BIO).
أما الاعتماد، فيخص الاعتراف بكفاءة المختبرات وهيئات التقييم وفق معايير دولية، مثل ISO 17025 الخاصة بكفاءة مختبرات الفحص والمعايرة، ويشمل تحليل جودة التمور من حيث الرطوبة والسكريات والمعادن الثقيلة وبقايا المبيدات.
في حين، تركز الشهادة أو التصديق على المنتج أو نظام الإدارة نفسه، مثل ISO 9001 لإدارة الجودة، وISO 22000 وHACCP لسلامة الغذاء، إضافة إلى شهادة المنتوج البيولوجي.
البحث العلمي والمؤسسات الناشئة… رافعة التحول
وشدد الخبير بن إبراهيم على ضرورة تثمين نتائج البحث العلمي، ودعم مخابر تحسين الأصناف، مقاومة الأمراض، التقنيات الذكية، إدارة الملوحة، وتقنيات ما بعد الجني، مع إنشاء قطب بحث وطني حول النخيل وتجهيز مخابر الجودة الجهوية.
كما أبرز الدور المحوري للمؤسسات الناشئة والمصغرة في إدخال الابتكار، واستحداث مناصب شغل للشباب والنساء في المناطق الصحراوية، وتنويع المنتجات، ورفع القيمة المضافة عبر التحويل والتغليف العصري، والتسويق الرقمي والتصدير.
وتشمل مجالات عملها الإكثار النسيجي، إقامة مشاتل حديثة، تقديم خدمات التلقيح والجني، تصنيع مشتقات التمر، تحويل مخلفات النخيل، تطوير برامج ري ذكية وأجهزة مراقبة صحة النخيل، وتقديم استشارات فنية للمزارعين.
رهان استراتيجي للمستقبل
وأكد بن إبراهيم أن عصرنة شعبة التمور خيار استراتيجي لضمان استدامة القطاع وتعزيز مكانته وطنيا ودوليا، في ظل توفر المعرفة العلمية والتقنيات الحديثة واهتمام متزايد من المستثمرين، مضيفا أن الانتقال نحو اقتصاد زراعي عصري تنافسي ومستدام يتطلب إرادة جماعية من المنتج بتبني الممارسات الجيدة، ومن الباحث بتقديم حلول مبتكرة، والمؤسسات بالدعم والمرافقة، والمستهلك بتعزيز الثقة في المنتوج الوطني.
وبين المتاح اليوم والممكن غدا، تبقى شعبة التمور مثلما قال “قادرة على أن تصبح نموذجا وطنيا ناجحا في بناء اقتصاد فلاحي قائم على الجودة، القيمة المضافة، والهوية الجزائرية في الأسواق العالمية”.





