بينما تنشغل الصالونات السياسية بلغة الأرقام والمؤشّرات الماكرو-اقتصادية المتفائلة، جاء تقرير المخاطر العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي كحجر ثقيل أُلقي في بركة راكدة.
لم يكن التقرير مجرّد ورقة تقنية، بل كان بمثابة «تشخيص سريري» لجسد اجتماعي يئنّ تحت وطأة أزمات مركبة. إنّ وضع المغرب أمام مرآة «دافوس» يكشف أنّ الخطر الأكبر لا يأتي من الخارج، بل ينبت من تربة الهشاشة الاجتماعية وتآكل الطبقة الوسطى.
معضلــة الشغــــل
صنف التقرير البطالة وضعف فرص الشغل كأول وأخطر تهديد يواجه المملكة. و الأمر لا يتعلّق هنا بأرقام صمّاء، بل بنزيف حقيقي للثروة البشرية.
تآكل معايير العمل: يشير التحليل المعمّق إلى أنّ الأزمة ليست فقط في عدم وجود شغل، بل في نوعية الشغل المتاح. المغرب يعيش عصر العمالة الفقيرة، حيث يشتغل المواطن لساعات طوال بأجر لا يكفي لتغطية فاتورة الماء والكهرباء والحد الأدنى من الكرامة الغذائية.
ركود الأجور: في ظل تضخّم جامح، بقيت الأجور تراوح مكانها، ممّا خلق «بطالة شعورية» حتى لدى المشتغلين، الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن مسايرة إيقاع الحياة المتسارع.
فجوة المهارات: التقرير يضع إصبعه على الجرح، غياب المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا والتعليم الحديث يجعل الشباب المغربي خارج «سياق الزمن»، ممّا يكرّس بطالة هيكلية لا تنهيها المسكّنات المؤقتة.
الخدمــات العموميــــة
في المرتبة الثانية من سلم المخاطر، جاء ضعف الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية. التعليم، الصحة، والسكن، ليست مجرّد قطاعات، بل هي أعمدة السلم الاجتماعي.التعليم والتقاعد: يحذّر التقرير من شيخوخة الأنظمة وتآكل صناديق التقاعد، ممّا يضع الأجيال القادمة أمام مستقبل غامض. أمّا التعليم العمومي، فيبقى العائق الأكبر أمام الارتقاء الاجتماعي، حيث يتحول إلى آلة لإعادة إنتاج الفقر بدلاً من محاربته.الرعاية الصحية: يُبرز التقرير أنّ ضعف الولوج إلى رعاية طبية جيدة ومجانية يرفع من كلفة العيش، ويجعل أي أزمة صحية عائلية بمثابة كارثة مالية تقذف بالأسر إلى خط الفقر.
التضخّـم والقــدرة الشرائيــــة
احتل التضخّم المرتبة الثالثة، لكنه في الواقع هو المحرّك لبقية الأزمات. إنّ الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الأساسية والخدمات لم يعد ظرفياً، بل أصبح بنيوياً.
تآكل الثقة: عندما يجد ربّ الأسرة نفسه عاجزاً عن تأمين القفة اليومية، يبدأ العقد الاجتماعي في الاهتزاز. التقرير يؤكّد أنّ تراجع القدرة الشرائية هو الوقود الحقيقي لأي احتقان اجتماعي مستقبلي، خاصة في ظل غياب توزيع عادل للثروة، حيث تتركّز المقدرات في يد فئة قليلة، بينما تتقاسم الغالبية «فتات النمو».
الأمـن المائـي والغذائـــي
انتقل التقرير لتحليل المخاطر البيئية، واضعاً نقص الموارد الطبيعية (الماء والغذاء) في المرتبة الرابعة.
الجفاف الهيكلي: لم يعد الجفاف مجرّد سنة «شهباء» تمرّ، بل صار قدراً جغرافياً يهدّد محطات الطاقة الكهرومائية والسيادة الغذائية المغربية.
البنية التحتية والمناخ: يحذّر «دافوس» من أنّ المغرب يحتاج إلى ثورة بنيوية لملاءمة طرقاته، وجسوره، ومنشآته مع الظواهر المناخية المتطرفة. الفيضانات الأخيرة أثبتت أنّ انقطاع الخدمات الحيوية يشكّل خطراً أكبر من الفيضان نفسه، حيث تُشلّ الحركة الاقتصادية وتتوقّف حياة الملايين.
العدالة الاجتماعية.. الحلقة المفقودة
إنّ الخطر الخامس، وهو عدم المساواة في توزيع الثروة، يمثل الخيط الناظم لكل الأزمات السابقة. التقرير يشير بوضوح إلى أنّ النمو الذي لا يشعر به المواطن في جيبه وفي جودة مدرسته ومستشفاه، هو نمو وهمي من الناحية الاجتماعية. إنّ تزايد الفوارق المجالية بين المغرب النافع والمغرب المنسي، يغذي الشعور بالإقصاء ويضعف الجبهة الداخلية أمام التحديات الخارجية.
إنّ تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي يرسم سيناريوهات قاتمة للوضع في المغرب، الغارق في الفساد واقتصاد الريع، ويعكس بوضوح أنّ الواقع البائس الذي يعيشه الشعب المغربي يمضي بالمملكة إلى انفجار أكيد.


