تتعدّد مظاهر التضامن والتآزر والتكافل الاجتماعي خلال شهر رمضان الفضيل، لتختزل أجمل صور التعاطف والاخوة بين أفراد المجتمع الجزائري، هذه الصور التي تتجلى في مطاعم الرحمة وموائد الافطار، التي تحضر وتنظم لتوفير وجبات ساخنة لمختلف فئات المجتمع، فلم تعد هذه المطاعم مجرد فضاءات لإطعام الفقير والمعوز، ولكن تتعمق الى اجمل المعاني، وهي خلق جو عائلي مليء بالدفء لهذه الفئة المعوزة، التي تتقاسم وجبة الافطار مع عابري السبيل، الذين اقتادتهم الظروف الى هذه الفضاءات الخيرية، التي تعوضهم عن وجبة الافطار وسط الاجواء العائلية.
أجواء عائلية تسود مطاعم الرحمة في ولاية تيزي وزو، منذ الساعات الاولى من صبيحة كل يوم خلال شهر رمضان المبارك، أين تتحول هذه الفضاءات الخيرية الى خلايا نحل، نظرا للحركية التي تشهدها، فبين المساعدات والمؤونة التي تصل يوميا الى هذه المطاعم، من طرف المحسنين ومن طرف بعض المديريات، وبين إقبال الشباب والنساء للمشاركة في تحضير وجبات الافطار، تشكّلت علاقات اخوية موسومة بمظاهر التكافل الاجتماعي والتضامن، التي تعود الى الواجهة خلال هذا الشهر، حيث يتسارع الجميع الى فعل الخير وتقديم المساعدة، لدرجة أن العديد من العمال يؤجلون عطلهم الموسمية الى غاية شهر رمضان، للعمل كمتطوعين في مطاعم الرحمة وتحضير موائد الافطار للصائمين.
مطاعم الرحمة أصبحت وجهة العائلات المعوزة والفقيرة، وذلك للظفر بوجبة افطار ساخنة، تضفي على المكان دفء القلوب، حيث لم تعد هذه الفضاءات مجرد أماكن لسد الجوع وكسر الصيام، وإنما اصبحت فضاءً عائليا تتجلى فيه أسمى صور الاخوة والتكافل الاجتماعي، خاصة وانها تجمع الفقير والغني على مائدة افطار واحدة، مشكلة عائلة واحدة يحمل كل شخص فيها حكاية وقصة لتواجده في المكان، فبين المعوز والعامل والذي بدون مأوى، وعابر السبيل ومن أبعدته الظروف عن عائلته خلال هذا الشهر، تحولت مطاعم الرحمة الى عائلة كبيرة جمعت مختلف فئات المجتمع، حيث تقاسموا العيش والملح على مائدة افطار جماعية، عوضتهم عن الغياب والبعد عن عائلاتهم الذين تعودوا على قضاء أجواء رمضان وسطهم.
مطاعم الرحمة اسم على مسمى لكل ما يمت بصلة للخير وتقوية اواصر وروابط الاخوة بين افراد المجتمع، لهذا تحرص الدولة على افتتاحها خلال هذا الشهر بمشاركة العديد من الشركاء “محسنون، وزارة التضامن، وزارة الشؤون الدينية ومختلف الجمعيات”، الأمر الذي يعمق من هذه المبادرات الخيرية ذات الابعاد الانسانية، حيث يسعى الجميع الى نيل الاجر من خلال اطعام الصائمين الذين تقودهم الاقدار الى هذه الفضاءات الخيرية التي تحولت الى منازل ثانية توفر الحضن الدافئ قبل الوجبة الدافئة، وذلك من خلال الاستقبال المفعم بالبهجة والفرح الذي يجده قاصدو هذه المطاعم، خاصة عابرو السبيل الذين أصبحوا اليوم لا يسابقون الزمن للوصول الى منازلهم وقت الافطار، تلك السرعة التي يمكن أن تفقدهم حياتهم ولقاء عائلاتهم مرة اخرى، وانما يتوقفون عند أول مطعم افطار يصادفهم في الطريق، وسط دعوة المتطوعين لهم بالدخول ومشاركتهم وجبة الافطار، ومواصلة الطريق بعدها.
هذه الظواهر الحميدة التي تتكرّر مشاهدها خلال شهر رمضان، تعيد الى الواجهة مظاهر الكرم، وتعزز من أواصر التآزر والتضامن والتكافل الاجتماعي التي تشكل نسيج الاخوة والمحبة بين افراد المجتمع الجزائري.
وفي إطار تجسيد هذه العملية التضامنية الانسانية خلال شهر رمضان الفضيل، سجّلت مصالح ولاية تيزي وزو عددا معتبرا من المطاعم المرخص لها على مستوى الولاية، قدر عددها بـ 63 مطعما عبر 37 بلدية، وقد كانت حصة الاسد لافتتاح هذه المطاعم للمحسنين من الذين افتتحوا 24 مطعما للرحمة، تلتهم الجمعيات الدينية وسبل الخيرات لمديرية الشؤون الدينية والاوقاف بفتح 14 مطعما للإفطار، الهلال الاحمر الجزائري بـ 11 مطعما، في حين تمكنت الجمعيات الاجتماعية والانسانية من فتح 10 مطاعم افطار، والكشافة الاسلامية الجزائرية فتحت 4 مطاعم، وما تزال العملية متواصلة خلال هذا الشهر.






