أكّد المعماري هادف سالم، الباحث في تراث العمارة والفنون ومدير مؤسسة «تراثنا» للدراسات والترميم، أن رمزية المساجد الجزائرية لا تختزل في بعدها التعبدي فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشكل سجلا حيا للتحولات الحضارية والسياسية والروحية التي عرفتها الجزائر عبر العصور.
جاء تصريح المعماري هادف سالم خلال استضافته في الحلقة الأولى من برنامج «صروح النور..تاريخ المساجد في العالم الإسلامي»، الذي يبث عبر إذاعة الجزائر الدولية، حيث خصصت الحلقة لقراءة عمارة المساجد الجزائرية من القرن الأول للهجرة إلى التجارب المعاصرة.
أشار المعماري هادف سالم، إلى أنّ البحث في أقدم المساجد بالجزائر يقودنا إلى مسجد سيدي عقبة، الذي يعد من أبرز المعالم الدينية في تاريخ المنطقة، موضحا أن مكانته الروحية واهتمام الدولة الزيرية به يعززان فرضية قدمه، غير أن تحديد تاريخه بدقة يظل رهين أعمال بحث أثري وتنقيب علمي معمق، يسمح بضبط تسلسل مراحله العمرانية. كما لفت الى أن الموقع يحتاج إلى مزيد من الدراسات لاستثمار أهميته الدينية والثقافية والعلمية بما يليق بمكانته في الذاكرة الوطنية.
كما تحدّث هادف سالم عن ما وصفه بعمارة الزهد، وهي العمارة التي انتقلت من مساجد العهد الأول في الجزيرة العربية إلى فضاءات شمال إفريقيا، حيث تجلت في مساجد تيهرت وغرداية وورقلة وصحراء الجزائر عموما. وأوضح أنّ هذه النماذج عكست روحا صوفية وزهدية جعلت البساطة عنصرا جماليا قائما بذاته، مؤكدا أن التقشف في الشكل لم يكن ضعفا فنيا، بل تعبيرا عن رؤية روحية مخصوصة.
وأكّد هادف أن المرحلة الزيرية ثم الحمادية شكلت منعطفا حاسما في تشكل النمط المعماري، مشيرا إلى إسهام الزيريين في تأسيس مدن وتوسعتها، وإلى ما ينسب إليهم من معالم في العاصمة، قبل أن يبرز الدور المحوري للحماديين في قلعة بني حماد، التي تعد من أهم الآثار الإسلامية في الجزائر. وأوضح أن جامع القلعة ومنارته كانا محطة بارزة في تطور المنارة، كما شهد الموقع تطورا لافتا في فن الفسيفساء الخزفية الهندسية، المعروفة بالزليج ما يعكس مستوى متقدما من الإبداع التقني والجمالي في تلك المرحلة.
وفي حديثه عن عمارة المساجد في قصبة الجزائر، أشار الباحث إلى أنّ دراسة الجامع الكبير ارتبطت بأبحاث الأثري الفرنسي جورج مارسي، الذي نسبه إلى العهد المرابطي، وهو ترجيح يجد ما يدعمه في خصائصه المعمارية، مع احتمال أقدمية مسجد سيدي رمضان، وهو ما يستدعي مزيدا من البحث العلمي. وأوضح أن القصبة تمثل فضاء لتلاقح الأنماط المعمارية التي تعاقبت على المدينة، بما يعكس عمقها التاريخي.
كما تطرّق إلى عمارة تلمسان، لافتا إلى أن الجامع الكبير لتلمسان، عرف إضافات نوعية في مراحل لاحقة بطابع أندلسي واضح، خاصة في القباب والمقرنصات والزخارف، ما منح العمارة الزيانية خصوصية مميزة.
وأوضح هادف سالم، أنّ التجارب المعاصرة بدورها تعبّر عن وعي جديد بالعلاقة بين التراث والحداثة، مستشهدا بـ «جامع الأمير عبد القادر» بقسنطينة، الذي يجمع بين عناصر تقليدية متنوعة ضمن صيغة تركيبية حديثة، وبـ «جامع الجزائر الأعظم» الذي يمثل رؤية معمارية معاصرة، تمزج بين المرجعية الأندلسية والعثمانية ضمن تصور حداثي واسع.
واختتم بالتأكيد على أنّ حماية هذا التّراث وتوثيقه وترميمه وفق أسس علمية رصينة، تمثل مسؤولية جماعية، مشددا على أهمية الدور الذي تضطلع به الإذاعة والصحافة الثقافية، في نشر الوعي بقيمة المعالم الدينية والعمرانية، وإعادة إدماجها في النقاش العمومي بوصفها جزءا أصيلا من الهوية الحضارية الجزائرية.






