يتخبّط المغرب في دوامة أزمات متداخلة، اجتماعية واقتصادية وحقوقية، تكشف غياب استراتيجيات واضحة وتكرّس فشل نظام المخزن في التعامل مع هذه الأزمات، بحسب ما رصدته جمعيات حقوقية نقابية وهيئات مهنية.
في ظل تفاقم هذه الأزمات وتصاعد الاحتقان الاجتماعي، تزداد المؤشرات على تعثر نظام المخزن في تدبير الشأن العام، ما دفع جمعيات وهيئات مهنية إلى التحذير من تغليب المقاربة الأمنية والربحية على حساب الحقوق الاجتماعية. وفي هذا السياق، أعادت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في بيان لها، تسليط الضوء على «الوضعية الحقوقية والاجتماعية الكارثية» التي يعيشها سكان عدد من أحياء مراكش، حيث يناهز عدد الأسر المتضرّرة خمسة آلاف أسرة من الأرامل وذوي الحقوق.
ورغم مرور أزيد من 15 عاما على الاحتجاجات المتواصلة، لا تزال حكومة المخزن تماطل في تنفيذ التزاماتها بتسوية أوضاع السكان، مخالفة بشكل فاضح التحذيرات الدولية التي تمنع الإخلاء القسري دون ضمانات، في حين يظل الواقع الميداني شاهدا على إخفاق المخزن وفشله في احترام أبسط حقوق المواطنين.
وتبعا لذلك، اعتبرت الجمعية أنّ الدفع بخيار الترحيل لفائدة مشاريع استثمارية وهمية يعكس تغليب منطق العقار والربح على منطق الكرامة الإنسانية، خاصة مع الحديث عن وعاء عقاري شاسع أفرغت منه مؤسّسات ونقلت خدماتها، في وقت يدفع بالسكان نحو المجهول.
احتقان فـي كلّ القطاعات
لم يتوقف المشهد عند أزمة السكن، إذ انتقلت عدوى الاحتقان إلى قطاع التعليم العالي، حيث حذّرت نقابة العاملين بالتعليم العالي، في تقرير لها، من استهداف الطابع العمومي للقطاع، من خلال منح خدمات جامعية لمقاولات خاصة وتجميد أنظمة أساسية لفئات مهنية. ويتقاطع هذا الوضع مع خلاصات تقرير صادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين، أقرّ بأنّ الأزمات المتعاقبة كشفت هشاشة بنيوية عميقة داخل المنظومة التعليمية.
وفي السياق ذاته، أعلنت النقابة الوطنية لوكالة التنمية الاجتماعية التابعة للاتحاد المغربي للشغل، خوض إضراب وطني احتجاجا على تجميد مستحقات الموظفين، متهمة المسؤولين بتقزيم دور الوكالة وتجريدها من استقلاليتها مقابل تكريس منطق الولاءات والامتيازات. وبحسب ذات الجمعيات الحقوقية والنقابية والهيئات المهنية، فإنّ تزامن هذه الملفات لا يمكن قراءته على أنه مجرّد اختلالات معزولة، بل هو تعبير عن نمط حكم يفتقر إلى رؤية حقوقية شاملة ويعتمد مقاربة تجزيئية تزيد من تعميق الأزمات بدل حلها.
فشــل مزمـن
هذا، وحذّر رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سابقا، عزيز غالي، من أنّ المغرب يرزح تحت وطأة فشل مؤسّسي مزمن لنظام المخزن، الذي يهيمن على كل مفاصل القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويترك المواطن العادي يدفع الثمن الأكبر لأزمات متلاحقة تتفاقم يوميا.وفي حوار موسّع مع وسائل إعلام محلية حول واقع الصحة العامة والأسعار والكوارث الطبيعية والخسائر الاقتصادية، سلّط عزيز غالي الضوء على تداخل الفساد مع ضعف الرقابة والتوجيه غير الفعال للدولة، ما أسهم في تعميق معاناة المواطنين ونقلهم من أزمة إلى أخرى بلا حلول واضحة.
وأشار غالي إلى أنّ ملف أسعار الأدوية في المغرب يشكّل مثالا صارخا على الاستغلال الوحشي، الذي يمارس بحق المغاربة. فبينما تبين الإحصاءات وجود فارق كبير بين الأسعار في السوق العالمي والأسعار المحلية، يتم بيع الأدوية في المغرب بأسعار مضاعفة تحقّق بموجبها شركات أجنبية، أرباحا هائلة خارج نطاق المعايير القانونية.
وموازاة مع ملف الدواء، نبه غالي إلى ضعف الاستجابة الحكومية تجاه الفيضانات الأخيرة في مناطق الغرب والشمال، حيث أعلنت الدولة تخصيص 3 مليارات درهم للتعويضات، لكن الحسابات الأولية كشفت أنّ الخسائر الحقيقية فاقت 17.5 مليار درهم.
وختم غالي تحليله بأنّ ما يحدث في المغرب ليس مجرّد إخفاقات عابرة، بل هو نتيجة تراكمية لسياسات مفلسة وفساد مؤسّساتي متفشي.

