لا يُختزل الحديث عن قصبة الجزائر في مناسبة سنوية عابرة، بل يتجدد كلما طُرحت أسئلة الذاكرة العمرانية والهوية الثقافية في الفضاء الوطني. فهذه المدينة التاريخية العريقة، المصنفة ضمن التراث العالمي، تظل محور نقاش دائم حول سبل صون الإرث المعماري وتحويله من ذاكرة ماضية إلى عنصر حي في الحاضر. وفي هذا السياق، قدّمت الباحثة في التراث الدكتورة عائشة حنفي في تصريحها لـ «الشعب»، قراءة تحليلية لدلالات يوم القصبة ورهانات الحفاظ عليها.
ترى حنفي أن تخصيص يوم للاحتفاء بقصبة الجزائر يشكّل فعلا رمزيا يساهم في تعزيز الوعي الجماعي بأهمية الذاكرة العمرانية الوطنية، غير أن دلالته الحقيقية تكمن في قدرته على تحويل هذا الوعي إلى سياسات حماية مستدامة فالقصبة، كما تؤكد، ليست مجرد نسيج معماري تقليدي، بل فضاء تاريخي تختزن طبقاته المتراكمة أبعادا حضارية وسياسية واجتماعية تعكس مسار تشكّل الهوية الجزائرية.
وتستحضر الباحثة إدراج القصبة ضمن قائمة التراث العالمي من طرف اليونسكو سنة 1992، معتبرة أنّ هذا الاعتراف الدولي أكّد عالمية نموذجها الحضري الأصيل. غير أنّ الانتقال من منطق التصنيف إلى منطق التملّك المجتمعي يظل، في نظرها، الرهان الأهم، عبر إعادة إدماج القصبة في الوعي الشعبي، بوصفها مكوّنا حيّا من مكوّنات الهويّة الوطنية.
كما تقرأ حنفي رمزية يوم القصبة ضمن ما تسميه «سياسات الذاكرة»، حيث يتحول الفضاء العمراني إلى شاهد مادي على الذاكرة النضالية، خاصة عند استحضار دور القصبة خلال الحقبة الاستعمارية، وهنا يتقاطع المعماري بالسياسي، ويتحوّل المكان إلى رمز للصمود والمقاومة.
غير أنّ الاحتفاء الرمزي، بحسب الباحثة، لا يكفي ما لم يُدعّم ببرامج علمية حقيقية تشمل الترميم والتوثيق، وإعادة تأهيل النسيج العمراني وفق مقاربات مستدامة. فالقصبة تواجه تحديات متعددة، من تقادم مواد البناء التقليدية وضغوط التحضر إلى تغير أنماط العيش داخل الفضاء التاريخي.
وتخلص حنفي إلى أنّ حماية القصبة مسؤولية جماعية تتطلّب رؤية شمولية توازن بين صون الطابع الأصيل، وتحسين ظروف العيش، حتى تبقى المدينة التاريخية ذاكرة حيّة تُعاش وتُورّث، لا مجرد معلم يُحتفى به في المناسبات.






