موقــف ثابـت في حمايـة السيـادة والأمــن وسلامة الأراضي
ثابـت دبلوماسي قائم على رفض منطق القوة والدعوة إلى نبذ العنف
أوضح الأستاذ والباحث في الشؤون الوطنية والدولية، عبد الرحمان بوثلجة، أنّ الجزائر، في موقفها من الحرب في الشرق الأوسط، تظلّ ثابتة على سياستها المعروفة القائمة على الدعوة إلى الحلول السلمية والحوار، ووفق مبادئ الأمم المتحدة، إلى جانب الوقوف مع الدول العربية الشقيقة.
أشار بوثلجة إلى تعبير الجزائر عن «بالغ أسفها» لفشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عمانية وبدعم من الدول العربية، ووصول النزاع إلى المواجهة العسكرية، مشيرا إلى أنّ الجزائر عبّرت عن دعمها الكامل للدول العربية الشقيقة، بعد الهجمات التي تعرّضت لها، مؤكّدا أنّ الجزائر لا تقبل أي اعتداء على أشقائها، وأنّ موقفها ثابت في حماية السيادة والأمن وسلامة الأراضي.
وقال بوثلجة أنّ الرئيس تبون أجرى اتصالات مباشرة مع قادة دول عربية، أكّد خلالها على موقف الجزائر الداعم والكامل، وعلى ضرورة العودة إلى الحوار السياسي والدبلوماسي لحل النزاعات واحتواء أي تصعيد عسكري محتمل، موضّحا أنّ هذه الاتصالات تحمل بعداً دبلوماسيا استراتيجيا لإرسال رسالة واضحة لكل الأطراف حول رفض أي استغلال للصراع لإضعاف الدول العربية أو فرض واقع جديد بالقوة.
وأبرز بوثلجة أنّ الجزائر واعية بالمؤامرات المحتملة، خاصة ما قد يسعى إليه الكيان الصّهيوني بإقحام دول الخليج في النزاع، وهو ما سيستنزف قدراتها ويضعف ما بنته خلال السنوات الماضية، مؤكّداً أنّ الجزائر تعمل على خفض التوتر والسعي الدائم لإعادة الأمور إلى مسار الحوار وطرق الحل السلمية.
ويعكس موقف الجزائر وفق بوثلجة، وعيا كاملاً بالمحاولات التي قد تقوم بها بعض الأطراف لاستثمار النزاع الإقليمي لصالحها، وأنّ اتصالات رئيس الجمهورية الأخيرة جاءت في إطار خفض التصعيد، والتأكيد على دعم الجزائر للدول الشقيقة، ورغبتها الصادقة في وقف الحرب والعودة إلى طاولة الحوار لإيجاد حلول سلمية تحفظ مصالح شعوب المنطقة وأمنها القومي.من جهته، أكّد المحلل السياسي محمد شريف ضروي، أنّ موقف الجزائر من الحرب يمكن قراءته على مستويين: رسائل مباشرة موجّهة إلى أطراف النزاع، ورسائل ضمنية تخاطب العواصم الفاعلة إقليمياً ودولياً.
ويرى ضروي في اتصال بـ»الشعب»، أنّ الجزائر، في رسالتها الأولى، أعادت التأكيد على ثابتها الدبلوماسي القائم على رفض منطق القوة والدعوة إلى نبذ العنف ووقف التصعيد الفوري، لأنّ توسيع رقعة المواجهة ـ التي تنطلق من إيران وتمتد بتداعياتها إلى مجمل منطقة الشرق الأوسط ـ سيجعل من الصعب لاحقاً إعادة ضبط التوازنات أو الوصول إلى تسويات مقبولة عند الجلوس إلى طاولة الحوار.
الجزائر، بحسب المتحدث، تدرك أنّ الحروب حين تتوسّع تتحول إلى مسارات معقّدة تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية مع الاصطفافات الدولية، ما يعقّد أي مسعى للوساطة أو التهدئة.
ويضيف المحلّل أنّ الدعوة الجزائرية إلى الحوار ليست مجرّد موقف أخلاقي، بل هي قراءة واقعية لميزان القوى الحالي. فالتصعيد الذي انتهجته مختلف الأطراف، سواء من جانب إيران أو من جانب الولايات المتحدة والكيان الصّهيوني، يهدّد بإدخال المنطقة في مرحلة استنزاف طويل، تكون كلفته الأكبر على الشعوب العربية واستقرار دولها، وليس فقط على أطراف المواجهة المباشرة.
أمّا الرسالة الثانية، فيعتبر ضروي أنها ذات طابع استراتيجي أعمق، وتتعلق بمفهوم الأمن القومي العربي. فالجزائر، كما يوضّح، حين تلمح إلى أنّ أي مساس باستقرار الدول العربية يمسّ بعدها القومي، فهي تعيد تثبيت أحد ثوابت عقيدتها الخارجية منذ الاستقلال، والقائم على احترام سيادة الدول ورفض تحويل أراضيها إلى ساحات تصفية حسابات دولية.
وفي هذا السياق، أشار ضروي إلى أنّ الإشارات الواردة في البيان بشأن استقرار المنطقة، تعكس قلقاً واضحاً من تحوّل بعض الدول العربية إلى منصّات صراع عسكري تحت ذرائع متعدّدة.
يؤكّد المتحدث أنّ الجزائر لا تناقض الاتفاقيات الثنائية أو الترتيبات الأمنية القائمة بين بعض الدول العربية وشركائها، لكنها تطرح سؤالاً استراتيجياً مشروعاً، هل ساهمت هذه الترتيبات فعلاً في تحصين الأمن العربي الجماعي، أم أنها أصبحت عاملاً من عوامل الاستهداف، في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة؟ هذا السؤال، بحسب ضروي، موجّه أساساً للنخب السياسية والعسكرية في المنطقة، من أجل إعادة تقييم الخيارات في ضوء المتغيرات الجديدة.
ووفق ضروي، يمكن تلخيص موقف الجزائر في هذه المرحلة في ثلاث نقاط محورية، أولا: الدعوة العاجلة لوقف التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي قبل خروج الأمور عن السيطرة. ثانياً: التحذير من تحويل الدول العربية إلى ساحات مواجهة بالوكالة، بما يهدّد سيادتها وأمن شعوبها. ثالثاً: التأكيد على أنّ الجزائر، انسجاماً مع ثوابتها، ستكون في الصف الأول في دعم استقرار الشعوب العربية، إذا ما تعرّض أمنها القومي لتهديد مباشر.
وقال المتحدث أنّ الجزائر، بحكم تجربتها التاريخية وموقعها الجيوسياسي، تدرك أنّ استقرار الشرق الأوسط ليس شأناً إقليمياً ضيقاً، بل عنصر توازن في المنظومة الدولية ككل. ومن هذا المنطلق، فإنّ رسائلها ـ المباشرة والضمنية ـ تمثل دعوة لإعادة الاعتبار لمنطق الحوار والسيادة والتوازن، قبل أن تتحول الحرب الحالية إلى شرارة تعيد رسم خرائط المنطقة على إيقاع الصواريخ بدل طاولات التفاوض.



