تحصـــين مؤسّســات الدولــــة وضمان الاستقلاليــة المطلقـة بعيــدا عن أي تدخـل خارجي
«توطـــين البيانــات».. رؤيـة استباقيــة واستشرافيــة لضمــان المناعــة السيبرانيــة
المواطـــن فـي قلـب المعادلـــة الأمنيـــة فـي ظـــل تنامي «حـروب الجيــل الرابع»
فتــح آفـــاق واسعـة لمهـــن واعــــدة وجديـــدة لـــم تكـن معروفـة مــــن قبــــل
يشهد العالم اليوم تحوّلات جيوسياسية متسارعة جعلت من الفضاء السيبراني، ساحة صراع حقيقية وجبهة متقدمة للحروب الحديثة، إذ لم يعد أمن الدول ومناعتها مقتصراً على حماية الحدود الجغرافية البرية أو البحرية فقط، بل امتد ليشمل حماية البيانات والشبكات والأنظمة المعلوماتية التي تسيّر وتتحكّم في تفاصيل الحياة اليومية. وفي خضم هذا المشهد العالمي شديد التعقيد، تأتي الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية للفترة (2025-2029) كخطوة وقائية حاسمة تعكس جهود الدولة لبناء درع وطني متين.
تترجم وثيقة الاستراتيجية التي نشرت، من قبل وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية لوزارة الدفاع الوطني، إدراكاً عميقاً بأهمية تأمين مسار الرّقمنة الشاملة الذي باشرته السلطات العمومية، لتؤسّس بذلك لمرحلة جديدة من إثبات السيادة الوطنية في أبعادها التكنولوجية الحديثة.
وتقوم الرؤية الجزائرية في هذا المجال على مبدأ جوهري يتمثل في تحصين مؤسّسات الدولة وضمان استقلاليتها المطلقة عن أي تدخل خارجي، وهو مسعى يتجسّد عملياً من خلال التوجّه الحازم نحو «توطين البيانات»، ممّا يعني إلزامية تخزين كافة المعطيات الحساسة والملفات الخاصة بالمؤسّسات والمواطنين داخل خوادم موجودة في التراب الوطني، مع حمايتها بأنظمة تشفير وبرمجيات محلية الصنع لمنع أي جهة أجنبية من استغلال القرار السيادي بحجة تقديم خدمات التخزين السحابي.
وتبرز أهمية تحصين الأنظمة المعلوماتية، قياسا لما يعيشه العالم في الوقت الحالي، في حروب لا تعتمد على الأسلحة التقليدية كأساس للمعركة أو التنافس أو الهيمنة، بل تمثل التكنولوجيات الحديثة وحرب البيانات والذكاء الاصطناعي، أدوات حاسمة، تحدّد مصير المعارك قبل أن تبدأ من أساسها.
واللافت في الاستراتيجية التي أعدتها وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية، وفق مراقبين، إقرانها بالإطار القانوني السياسي، حيث حظيت بمصادقة رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، ما يعني أنها مرّت بمراحل إعداد دقيقة، وراعت مبدأ الشمولية بالتنسيق مع مختلف القطاعات المعنية.
في سياق متّصل، تعمل الجزائر بجدية على التحضير لمشروع قانون تمهيدي يؤطّر كافة جوانب الأمن السيبراني ويفرض تدابير وقائية صارمة على مختلف المؤسّسات لحماية معلوماتها، وهو ما سيجعل الإدارة الجزائرية أكثر شفافية ومحصّنة ضدّ الاختراقات، مساهماً بذلك في محاربة البيروقراطية التي طالما شكّلت بيئة خصبة للثغرات المفتوحة أمام المخاطر التقنية.
ولا يتوقّف البرنامج المسطّر عند حدود الإدارات المركزية، بل يمتد لحماية شريان الحياة اليومية للمجتمع، حيث تركّز الاستراتيجية بشكل كبير على أمن البنية التحتية الحيوية كأولوية قصوى، على غرار المنشآت الحساسة المرتبطة بقطاعات الطاقة وتوزيع المياه والاتصالات والنقل، ولتفادي أي سيناريو غير متوقّع ناتج عن هجوم سيبراني معادٍ قد يعطّل هذه المرافق، حيث تبذل الدولة جهوداً مكثفة لبناء جدران حماية متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد التهديدات بشكل استباقي، وذلك بالتوازي مع تأسيس منظومات إنذار مبكّر تتصدى بفعالية لأي محاولة تخريبية تستهدف الأنظمة المسيّرة للخدمات العمومية الأساسية.
وبالموازاة مع هذه التدابير المؤسّساتية الصارمة، تضع الاستراتيجية المواطن الجزائري في قلب معادلة الأمن المعلوماتي، إيماناً منها بأنه الحلقة الأهم والهدف الأسهل للمتربّصين، كذلك، يركّز هذا التوجه على توعية الفرد وحمايته، ممّا يعرف بـ»حروب الجيل الرابع» التي تتخذ من منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت مسرحاً عملياتياً لها لاختراق الوعي الجمعي وتزييف الحقائق ونشر الأخبار المضلّلة لزعزعة الاستقرار، حيث تشمل حماية المواطن التصدي الحازم للجريمة الإلكترونية وتأمين بياناته الشخصية وتعاملاته المالية الرّقمية من شبكات القرصنة، وقد تجلّى هذا الحرص التوعوي من خلال مبادرة وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية بتوجيه رسائل نصية مباشرة للمواطنين، عبر شبكات الهاتف النقال لتأكيد دورهم المحوري في إنجاح هذه المقاربة.
من شأن التحول الرّقمي العميق، وفق مختصين، أن يعيد صياغة مشهد سوق العمل في الجزائر بشكل إيجابي، ويفتح آفاقاً واسعة لمهن واعدة وجديدة لم تكن معروفة من قبل، بالإضافة إلى المهام الأمنية البحتة، سيزداد الطلب محلياً على تخصّصات حيوية مثل مهندسي الأمن السيبراني ومحلّلي البيانات الضخمة ومطوري الأنظمة لتقليل التبعية للمنتجات المستوردة.
كما أنّ هذا التحول لا يعني تسريح العمال أو إلغاء الوظائف الإدارية الكلاسيكية، بل يعني تطويرها وتكييفها مع الاستراتيجية السيبرانية الجديدة، لينتقل الموظف العمومي من التسيير الورقي البطيء إلى إدارة الأنظمة الرقمية السريعة، عبر برامج إعادة تأهيل مستمرّة، لتُسهم هذه البيئة الآمنة في النهاية في تحفيز الاقتصاد الوطني ودعم الشركات الناشئة، وتمكين الشباب من إطلاق منصّات خدماتية وطنية تعكس انتقال الجزائر الفعلي نحو الاستباقية الرقمية للدفاع عن مصالحها الحيوية.

