ؤكّد أستاذ الإعلام بجامعة باتنة، الدكتور مراد ميلود، في هذا الحوار مع «الشعب»، أنّ دعوة رئيس الجمهورية إلى الترويج إعلاميا للمستوى المتقدم الذي بلغته مؤسّسات التكوين المهني ليست إجراء ظرفيا، بل يندرج ضمن استراتيجية وطنية شاملة مسّت مختلف القطاعات الاستراتيجية، انطلقت من إصلاح التعليم العالي وانفتاحه على المحيط الاقتصادي، وامتدت اليوم إلى قطاع التكوين المهني الذي يشهد، مثلما قال، «قفزة نوعية تجعله رافدا حقيقيا لخلق الثروة ودعم الاقتصاد الوطني».
أوضح ميلود أنّ الرهان لم يعد يقتصر على توجيه المتربّصين نحو سوق العمل، بل تمكينهم من إنشاء مؤسسّات مصغّرة والمساهمة في ديناميكية التنمية، مشدّدا على أنّ الإعلام مدعو إلى لعب دور محوري في كسر الصورة النمطية التي لازمت القطاع لسنوات، وإبراز التخصّصات الجديدة ذات الطابع الاستراتيجي، عبر خطاب مهني حديث يواكب التحولات الرقمية ويستجيب لتطلّعات الشباب.
– «الشعب»: كيف تقرأون دعوة رئيس الجمهورية إلى الترويج إعلاميا لمستوى التكوين العالي الذي بلغته مؤسّسات التكوين المهني؟
أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة باتنة.. مراد ميلود: في البداية، لابد أن نشير إلى أنّ رئيس الجمهورية اعتمد استراتيجية شاملة في جميع القطاعات الاستراتيجية، وقد كانت الانطلاقة الأولى من قطاع التعليم العالي، بالنظر إلى أهميته، خاصة فيما يتعلّق بانفتاح الجامعة الجزائرية على المؤسّسات الاقتصادية، والمؤسّسات الناشئة والمشاريع المختلفة، واليوم تحولت هذه الاستراتيجية إلى قطاع التكوين المهني، الذي يعرف قفزة نوعية حقيقية.
الهدف الأساسي للتكوين المهني، ليس فقط إنتاج مجموعة من المتربّصين لتوجيههم إلى سوق العمل، بل تخريج متربّصين يستطيعون أيضا إنشاء مؤسّسات اقتصادية مصغّرة، ذات مردودية للمساهمة في تطوير الاقتصاد الوطني، كما أنّ تدعيم التكوين المهني يستحدث فرص عمل للشباب المتكونين.
رئيس الجمهورية يعي جيّدا أهمية الإعلام، الذي لم يعد سلطة رابعة فحسب، بل أصبح سلطة أولى مؤثرة في توجيه الرأي العام، ومن هنا جاءت دعوته إلى الترويج للسياسة الجديدة لقطاع التكوين المهني، خاصة وأنّ هناك صورة نمطية سائدة لدى فئة واسعة من المجتمع، وبالأخص الشباب، تعتبر أنّ التكوين المهني هو ملاذ من لم ينجحوا في التعليم العام.
هذه النظرة أراد رئيس الجمهورية تغييرها، فمثلا التكوين المهني في أوروبا، نظام مزدوج ورائد، يقوم على التطبيق داخل الشركات بنسبة تفوق 70 بالمائة و30 بالمائة على التكوين النظري، وهو في كثير من الأحيان أفضل من المسار الأكاديمي التقليدي، لذلك دعا إلى توظيف الإعلام، سواء التقليدي أو الرقمي، للوصول إلى البيوت عبر الشاشات ومنصّات التواصل الاجتماعي، من أجل إبراز التحول العميق الذي يعرفه القطاع، وأهمية المكونين وفرص التشغيل المتاحة.
– ما دور الإعلام الوطني في إعادة الاعتبار لصورة التكوين المهني وكسر الصورة النمطية المرتبطة به؟
الإعلام مطالب اليوم، بالتخلّص من سياسة «التزامنية» أي ربط تغطية نشاطات مراكز ومعاهد التكوين المهني بالمناسبات فقط، كافتتاح الدورة الأولى للتكوين المهني أو لنشاط معين، ولذلك لابد للمؤسّسات الإعلامية أن تتخلّص من هذه النمطية أو التزامنية في الأحداث، والتخلّص من الإعلام الحدثي إن صحّ القول، والتوجّه إلى الغوص في جديد التكوين المهني، مع إجراء مقارنات عربية ودولية تبرز ريادته.
كما يجب إبراز نماذج مشرفة استطاعت أن تقتحم عالم الاقتصاد والمال انطلاقا من التكوين، وذلك من خلال التنويع في القوالب الصحفية غير المعتادة، ومن الضروري كذلك الاقتداء ببعض خصائص الإعلام الرقمي، من حيث الكتابة، الاختصار، الكم، الزمن والسرعة، لأنّ المواطن أصبح رقميا، ولذلك لابد من تحديث أساليب قاعة التحرير قليلا حتى تواكب هذا الجيل، والغوص في مستجدات التكوين المهني وآفاق التوظيف وآفاق صناعة المال فيه، بدل الاكتفاء بالمعالجة السطحية.
– هل تعتقدون أنّ الخطاب الإعلامي الحالي يواكب التحوّلات التي يعرفها القطاع؟
الخطاب الإعلامي تنقصه بعض الأشياء حتى يواكب التحوّلات التي يعرفها القطاع اليوم، فبقدوم رئيس الجمهورية أصبحت الترسانة القانونية والتشريعية لقطاع الإعلام واضحة، حيث هناك حرية تعبير، دعم للإعلام الرقمي من خلال الإشهار وتقنين العمل، ولذلك لابد أن يكون الخطاب الإعلامي اليوم منسجما مع استراتيجية رئيس الجمهورية وطرحه، وعلى الإعلاميين اليوم أن يواكبوا هذا التطور من خلال التركيز على المحتوى الذي يقدّمه التكوين المهني.
أظن أنّ النمطية في تغطية الأحداث هي التي أرست الذهنية السلبية عن قطاع التكوين المهني اليوم، لذلك لابد للإعلاميين والمؤسّسات الإعلامية التحرّر من السياق النمطي لتغطية الأحداث والتوجّه مباشرة إلى استراتيجية تغطية الإعلام الرّقمي باعتماد معالجات جديدة، فاليوم نحن في عصر الذكاء الاصطناعي، ومن الضروري الاستفادة منه لمواكبة التحولات، بالتركيز على الصورة، والمحتوى المكثف، وزوايا معالجة مبتكرة، إضافة إلى مقارنات مع تجارب عربية ودولية ناجحة، وإبراز النماذج الملهمة للشباب التي تدفعهم للتقرّب من مراكز ومعاهد التكوين المهني.
– كيف يمكن توظيف الإعلام الرّقمي ومنصات التواصل الاجتماعي للتعريف بالشعب الجديدة ذات الطابع الاستراتيجي؟
قبل أن نتكلم على التوظيف، يجب تأسيس الإعلام الرقمي الحقيقي داخل كل المؤسّسات الإعلامية، لأنّ غياب المنصات الرقمية يؤدي إلى فقدان الجمهور والمتابعين والمستمعين، وللأسف هناك بعض الجرائد لم تحين مواقعها الإلكترونية منذ زمن، وهناك مواقع إذاعية والكترونية غير محدثة، ولا يعرف أشخاصها كيفية ممارسة الإعلام الرقمي.
الإعلام الرّقمي يساهم بشكل كبير في التعريف بالشعب والتخصّصات الجديدة ذات الطابع الاستراتيجي، ومنها تلك التي استحدثتها وزارة التكوين المهني وفق تعليمات رئيس الجمهورية، مثل تخصّصات تحلية مياه البحر في الولايات الساحلية، الصناعات المنجمية، الصناعات الفلاحية، الصناعة الصيدلانية في المدن الداخلية مثل قسنطينة، وهذه الاستراتيجية التي تبناها رئيس الجمهورية ونقلها من الجامعة إلى التكوين المهني، مدروسة بدقة وفق خصوصيات كل منطقة ساحلية، جنوبية، وداخلية، ويجب أن توضّح بشكل «لا تزامني»، لذلك يلعب الإعلام الرقمي الأكثر استخداما اليوم، دورا كبيرا جدا في إيصال المعلومة، لأنه الأقرب إلى المواطن وأيضا الأكثر يسرا.
– كيف يمكن للإعلام أن يساهم في توجيه الشباب نحو التخصّصات التقنية بدل حصر طموحاتهم في المسارات الأكاديمية التقليدية؟
ينبغي للإعلام تسليط الضوء على كل تخصّص تقني جديد على حدى، مع شرح آفاقه في التوظيف، وإنشاء المؤسّسات الناشئة، ودوره في الدفع بالاقتصاد، كما يجب الاستعانة بخبراء لشرح هذه التخصّصات.
يجب أن نذهب إلى إعلام متخصّص، لا يعالج الأحداث والمواضيع بسطحية، بل يستعين بخبراء لتوضيح كل تخصّص على حدى، لأنّ التركيز على هذه التخصّصات التقنية في حد ذاتها والكلام عليها بعفوية أو بصورة عامة قد لا يكسر طموح المسارات الأكاديمية، لذلك لابد من التوضيح بدقة أنّ سوق العمل في هذه التخصّصات له آفاق كبيرة، ويدر الأموال.
لابد للإعلام أن يواكب شرح التخصّصات للشباب، في قالب يكون للشباب في توقيت خاص بهم ومنصّات إعلامية موجّهة إليهم، كما يجب أن تمتلك المؤسّسات الإعلامية استراتيجية إعلامية لكل فئة، تبنى على دراسة دقيقة للجمهور حتى تصل الرسالة بفاعلية، وهنا أركّز في هذا السؤال على ضرورة التوجّه إلى الإعلام المتخصّص، الذي يكون دقيقا في طرح المعلومات حتى تكون هناك ثقة ما بين الإعلام والشباب.
– إلى أي مدى يمكن للقصص الناجحة لخريجي التكوين المهني أن تؤثر في الرأي العام؟
قصص النجاح لها تأثير كبير، خاصة عندما يتعلّق الأمر بخريجين شباب ملهمين، استطاعوا أن يفتحوا الشركات وحقّقوا انتقالا في مستواهم المعيشي، وشقّوا طريقهم بنجاح، لكن يجب ملائمة قصص النجاح مع التخصّصات الجديدة والبيئة المستهدفة، إذ لا يمكن أن نركّز على قصص نجاح في الولايات الشمالية ونهمل قصص نجاح في الولايات الجنوبية.
ينبغي أن تعكس قصص النجاح التنوع الجغرافي، بين الشرق والجنوب، والشمال والغرب، وأن ترتبط بالتخصّصات الجديدة نفسها، حتى تكون قريبة من الجمهور المستهدف.
– ما هي آليات الاتصال التي تقترحونها لجعل التكوين المهني علامة جودة وطنية قابلة للتسويق داخليا وخارجيا؟
أولا، لابد من تقديم معطيات صحيحة ودقيقة حتى نكسب ثقة الجمهور الداخلي والخارجي، حتى نجعل المشاهد أو المستمع أو القارئ له صلة وثيقة ما بينه وما بين المؤسّسة الإعلامية، ثانيا اعتماد خطاب مختلف حسب الفئة المستهدفة، والانتقال من نمطية الإعلام التقليدي إلى إعلام رقمي موجّه لمواطن رقمي، ثالثا توظيف العناصر الجمالية في العملية الاتصالية، مثل الصورة، التصميم، والمؤثرات السمعية البصرية، سواء في الصّحافة المكتوبة أو في السمعي البصري لجذب المستمعين أو المشاهدين أو القراء.
أيضا من آليات الاتصال لجعل التكوين المهني علامة جودة وطنية قابلة للتسويق الداخلي والخارجي، هي الذهاب إلى المعلومات الدقيقة، وإشراك الشباب في قصص النجاح وإنجاز المواد الإعلامية، دون السرد الذي تعوّدت وسائل الإعلام عليه، ولذلك المواطن هو شريك في صنع المعلومة.
كذلك لابد من وضع استراتيجية زمنية واضحة، لتمرير المعلومات ضمن رؤية اقتصادية وتنموية، فالإعلام لم يعد مجرّد مرافق للتنمية، بل أصبح خالقا لها، وسلطة أولى مؤثرة، وهو ما يفسّر دعوة رئيس الجمهورية إلى مرافقة إنجازات الدولة والترويج لها بوعي استراتيجي.






