تشكّل مطاعم الرحمة في الجزائر مناسبة اجتماعية ونشاطاً جوارياً يتجدّد كل سنة مع حلول شهر رمضان، حيث تتسابق الجمعيات الخيرية وجمعيات الأحياء على تنظيمها في الساحات العمومية كرسالة محبّة صامتة تؤكّد على أنّ المجتمع الجزائري واحد، يحكمه نسيج اجتماعي متماسك ومتراحم.
مطاعم الرحمة التي تنتشر عبر مختلف ولايات وبلديات الوطن، أصبحت ساحة للتنافس من أجل الظفر بأكبر عدد من الوافدين، في مشهد يعكس كرم المواطن الجزائري ومدى تمسّكه بعادات إفطار عابري السبيل.
ترى عضو المرصد الوطني للمجتمع المدني بتندوف، رمضاني عائشة، أنّ مطاعم الرحمة ليست حدثاً موسمياً عابراً يستذكره عابر السبيل كلما حلّ شهر رمضان، بل هي “امتداد لقيم متجذّرة في المجتمع الجزائري، والمستمدة من ثقافة الكرم وإطعام الضيف”، مشيرةً في الوقت ذاته إلى أن هذه الفضاءات التي تجمّع حولها مواطنون جزائريةن، وفي بعض الأحيان مقيمون أجانب، تُبرز خصوصية المجتمع الجزائري وكرمه وتعاطيه الإيجابي مع الضيف، مجدّدةً التذكير بأن مطاعم الرحمة تتم بمبادرات شعبية بعيدة عن الطابع الرسمي، ما أكسبها بُعداً إنسانياً وتضامنياً جعل منها مبادرات يزداد انتشارها عاماً بعد عام.
وتابعت رمضاني قائلةً إنّ مطاعم الرحمة في الجزائر مبنية على مجهودات جبارة في الخفاء، وتحضيرات حثيثة قد تأخذ أشهراً متواصلة، يتخلّلها جمع التبرعات والمساهمات والمساعدات العينية من الجمعيات، المحسنين والتجار، إلى جانب إجراءات إدارية وتراخيص قد لا تأخذ الوقت الكثير بفضل التسهيلات الممنوحة من طرف السلطات المحلية لمثل هذه المبادرات الخيرية.
وأشادت عضو المرصد الوطني للمجتمع المدني بتندوف، بمدى وعي الجمعيات الخيرية وجمعيات الأحياء على المستوى الوطني بحجم المسؤوليات الملقاة على عواتقهم، وتجاوبهم مع التعليمات الأمنية والتوجيهات الإدارية والشروط المنصوص عليها فيما يخصّ صحة المواطنين، حيث كشفت أن هذا الوعي المجتمعي، والتقيّد الصارم للجمعيات الخيرية بشروط النظافة والإطعام في الهواء الطلق، أدّت إلى خلوّ موائد الرحمن من التسمّمات الغذائية أو مشاكل صحية مرتبطة بالغداء بين المواطنين.
وأكّدت رمضاني أنّ مطاعم الرحمة قد نجحت إلى حدّ كبير في ترسيخ ثقافة التطوّع لدى الجيل الجديد من الشباب الجزائري، حيث تحوّلت هذه المبادرات الى ساحة منافسة حقيقية بين الجمعيات والأحياء، تتنافس فيما بينها لتعزيز روح التكافل الاجتماعي، مبرزةً دور الشباب في تعميم المبادرة وإخراجها من نمطها الكلاسيكي لتأخذ أشكالاً متعدّدة من التطوّع والعطاء.
ونوّهت المتحدّثة بالدور المحوري الذي تلعبه المرأة الجزائرية في إنجاح مبادرات موائد الرحمن، باعتبارها المحرّك الرئيسي واليد الخفية التي تشرف على إعداد وجبات الإفطار في كل مراحلها، مضحيةً بالتزاماتها العائلية من أجل إفطار عابري السبيل.
وقالت إنّ المرأة الجزائرية ومن خلال التزامها الإنساني وروحها التضامنية العالية، تشارك جنباً إلى جنب في التحضير لموائد الرحمن عبر مختلف مناطق الوطن، مؤكّدةً في الوقت ذاته على احترافيتها ومهنيتها في إنجاح هذه المبادرات.
وعرّجت رمضاني للحديث عن مطاعم الرحمة بولاية تندوف التي شهدت منذ سنتين زيادة معتبرة في عدد الوافدين عليها، وارتفاعا محسوسا في عدد الوجبات الموزّعة، سواء المحمولة منها أو الساخنة، وأرجعت سبب ذلك إلى الحركية التجارية المتزايدة في المعبر الحدودي الشهيد مصطفى بن بولعيد الفاصل بين الجزائر وموريتانيا، والى ما تشهده الولاية من مشاريع تنموية أفضت إلى توافد العديد من اليد العاملة الى الولاية من مختلف مناطق الوطن، وهو ما شكّل ضغطاً لدى الجمعيات الخيرية وجمعيات الأحياء التي وجدت نفسها أمام “انفجار عددي غير مسبوق في عدد الوجبات الموزّعة”.
ولفتت إلى أن مطاعم الرحمة بولاية تندوف تجمع العامل البسيط بسائق الشاحنة المقطورة وعابر السبيل، في مشهد يُذيب الفوارق الاجتماعية ويُعيد رسم “لمّة العائلة” في أجواء تسودها أسمى مظاهر التآخي والتراحم، مشدّدةً على أن استمرار هذه المبادرات الخيرية واتساع رقعتها عاماً بعد آخر، دليل واضح على تمسّك الشباب الجزائري بروح التضامن الراسخة في المجتمع، ويقينه التام بأن مطاعم الرحمة ما هي إلا رافد أساسي لتعزيز لُحمة ا لمجتمع، وترجمة القيم الجزائرية النبيلة إلى أفعال تحتضنها الساحات العمومية.


