احتضنت دار الثقافة والفنون كاتب ياسين بسيدي بلعباس، في إطار برنامجها الثقافي الرمضاني، ثاني الأمسيات الثقافية التي خصصت للقاء فكري جمع بين البحث الأكاديمي والاحتفاء بالتراث المحلي.
ألقى البروفيسور محمد مكحلي محاضرة فكرية حملت عنوان “بيوتات سيدي بلعباس العلمية بين إذكاء شرعية الحضور والحفاظ على ذكرى الأجداد”، سلط خلالها الضوء على الإرث المعرفي والعلمي الذي ميز مدينة سيدي بلعباس عبر مراحل تاريخها، متوقفا عند الأدوار التي اضطلعت بها بيوتات العلم والزوايا في تشكيل المشهد الثقافي والاجتماعي للمنطقة.
أكّد البروفيسور محمد مكحلي، أن المجال الحضري للمدينة وإن كان معروفا بحدوده الترابية والقرابية، فإن مجاله الهوياتي يظل مفتوحا بلا حدود، بالنظر إلى الحضور الواسع للقباب المرتبطة بالأولياء والصلحاء المنتشرة عبر إقليم المدينة، وهو ما يعكس أهمية الحضور الطرقي في ثقافة الساكنة وتأثيره في تمثلاتها الاجتماعية والدينية. وأشار إلى أن انتشار هذه القباب والزوايا يدل على تعدد المجموعات القبلية والبيوتات العلمية التي لعبت دورا محوريا في الحياة المحلية، حيث امتدت شبكاتها داخل النسيج الاجتماعي للمدينة، وأسهمت في تشكيل فضاء معرفي وروحي ظل حاضرا في ذاكرة المجتمع.
ولفت المحاضر إلى أن قراءة خريطة المدينة في مطلع القرن العشرين تكشف أن البيوتات العلمية والزوايا تحوّلت إلى فضاءات للتربية والتعليم، كما شكلت ملاذا للفئات المعوزة والمعدمة، مستجيبة بذلك لمطالب اجتماعية وثقافية ودينية كانت الساكنة في أمسّ الحاجة إليها خلال فترة الاحتلال الفرنسي.
وأضاف أنّ سلطات الاستعمار لم تسع إلى تلبية هذه المطالب، بل انتهجت سياسة ممنهجة قائمة على التجهيل والتفقير، الأمر الذي جعل من هذه البيوتات والزوايا مؤسسات أهلية حافظت على التوازن الاجتماعي والثقافي للمدينة، وأسهمت في حماية نسيجها المجتمعي.
وأشار محمد مكحلي إلى أن مفهوم البيوتات العلمية والزوايا حظي بمكانة بارزة في المصنفات والدراسات التاريخية، لما امتلكه من قدرة على إنتاج المعنى الديني وتشكيل ما يمكن تسميته بـ “النخب الرمزية” الفاعلة داخل المجتمع المحلي. وقد مكّن هذا الدور هذه البيوتات من إدارة الشأن المحلي وضبط العلاقات الاجتماعية، مسهمة في ترسيخ ما وصفه بالحس الاجتماعي المشترك، وهو ما يمثّل شكلا من أشكال “الرأسمال الرمزي” الذي ساعد المجتمع على الحفاظ على تماسكه في ظل التحولات السياسية والاجتماعية.
كما أوضح مكحلي أن ارتباط السكان بهذه البيوتات لم يكن مجرد ارتباط تقليدي بل تحول إلى مرجعية هوياتية راسخة، خاصة في ظل محاولات الحصار والتضييق التي فرضتها سلطات الاحتلال، حيث انخرطت هذه البيوتات عبر أعلامها وزواياها في المشهد السياسي والاجتماعي بحركية وفاعلية، ما جعل الاستعمار ينظر إليها باعتبارها قوة مناوئة ومصدر خطر لما تمتلكه من تأثير واسع داخل المجتمع.
وأوضح البروفيسور أنّ ما تطرّق إليه في المحاضرة هو جزء من مضامين بحثية تناولها في كتابه الصادر حديثا بعنوان “البيوتات العلمية بمدينة سيدي بلعباس: 1900 – 1962 دراسة مونوغرافية في التاريخ الاجتماعي والمحلي لأهم بيوتات وزوايا الجهة”، عن دار القدس العربي بوهران. وقد قدّم لهذا الإصدار الأستاذ دحو فغرور عميد كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإسلامية بجامعة وهران أحمد بن بلة، وأشار إلى أن الكتاب يندرج ضمن الدراسات التي تهتم بقراءة التاريخ الاجتماعي المحلي، واستجلاء أدوار الفاعلين الثقافيين والدينيين في تشكيل الحياة العامة للمدن الجزائرية خلال الفترة الاستعمارية.
وأكّد المحاضر أنّ إنجاز هذا العمل البحثي استفاد من جهود عدد من الباحثين والإعلاميين الذين أسهموا بمواد مصدرية ووثائقية مهمة، من بينهم الباحث علي بن محمد غريسي، والأستاذ بدر الدين بشير بويجرة، والإعلامي فتحي الصايم من إذاعة وهران الجهوية، إلى جانب فتحي يسعد والدكتور الإمام بدري المداني من قصيبة المديوني بالمنستير في تونس، موجّها لهم شكره وتقديره على ما قدّموه من دعم علمي ووثائقي أسهم في إغناء هذا العمل.
كما شهدت الأمسية مشاركة فنية أضفت على اللقاء بعدا تراثيا مميزا، حيث قدّمت جمعية أهل البلاد عرضا فولكلوريا استحضر ملامح من الموروث الشعبي المحلي في لوحة فنية نابضة بالحياة، جسّدت أصالة التراث والتعبير الثقافي الحي، وأسهمت في خلق فضاء ثقافي جمع بين المعرفة الأكاديمية والذاكرة الشعبية في أجواء احتفت بتاريخ المدينة وثرائها الثقافي.






