كشف محافظ المهرجان الثقافي الوطني لأغنية الشعبي، عبد القادر بن دعماش، في ندوة صحفية، بقصر الثقافة مفدي زكرياء، عن تفاصيل الطبعة الخامسة عشرة للمهرجان، المزمع تنظيمها من 9 إلى 12 مارس الجاري، في دورة جديدة تؤكد استمرار هذا الموعد الثقافي في أداء رسالته الرامية إلى صون تراث الأغنية الشعبية، وترسيخ مكانتها في المشهد الفني الوطني.
شكلت الندوة الصحفية، التي جرت تحت رعاية وزيرة الثقافة والفنون الدكتورة مليكة بن دودة، محطة لاستعراض المسار التاريخي للمهرجان منذ تأسيسه سنة 2005، مرورا بفترات التوقف التي عرفها، قبل عودته سنة 2022 واستمراره إلى اليوم. وأكد بن دعماش أن شعار “العلم والمعرفة”، ظل العنوان العريض لهذه التظاهرة، باعتبار أن أغنية الشعبي ليست مجرد أداء فني، بل هي وعاء لذاكرة المجتمع وحارسة لجزء أصيل من الهوية الوطنية.
وفي هذا السياق، أبرز المحافظ أهمية البعد الأكاديمي الذي تعززه الطبعة الحالية من خلال مواصلة تجربة “الماستر كلاس”، التي وصفها بـ “الجامعة المصغرة داخل المهرجان”، حيث يستفيد 16 مترشحا من تأطير فنانين مختصين ضمن فضاء المعهد العالي للموسيقى، في تجربة تجمع بين التكوين النظري والتطبيق الميداني، بما يسمح بإعداد جيل واع بأصول هذا الفن، وقادر على حمل مشعله مستقبلا.
كما شدّد بن دعماش على أهمية التوثيق، مشيرا إلى أن الكتاب ظل رفيقا دائما للمهرجان، من خلال جمع القصائد وتثمين الدواوين، حفاظا على الرصيد الشعري الذي يشكل العمود الفقري لهذا الفن، ومذكرا بالدور الريادي لرواد الشعبي، وفي مقدمتهم الحاج محمد العنقى، في تأسيس هذا الطابع وترسيخ اسمه في الذاكرة الفنية الوطنية.
ويتوزع برنامج الطبعة 15 على أربع سهرات فنية كبرى، تنطلق غدا الاثنين، بافتتاح رسمي يتضمن عرضا مسرحيا موسيقيا وشعريا، إلى جانب انطلاق المنافسة بين مترشحين قدموا من عدة ولايات، مع عرض أفلام وثائقية تستحضر مسارات أعلام هذا الطابع. وتتواصل المنافسة يومي 10 و11 مارس الجاري، مرفوقة بإلقاءات في الشعر الملحون وعروض فنية متنوعة، وصولا إلى سهرة الاختتام يوم 12 مارس، حيث سيتم الكشف عن الترتيب النهائي للفائزين، ويُختتم المهرجان بحفل يحييه المتوج بالجائزة الأولى.
وفي بادرة وفاء لروّاد هذا الفن، ستكرّم هذه الطبعة شخصيتين بارزتين أسهمتا في إثراء الأغنية الشعبية، هما الشيخ الحاج أمحمد بورحلة والشيخ خليفة بلقاسم. وأفاد عبد القادر بن دعماش أن اختيار هذين الاسمين، يأتي تقديرا لمسارهما الفني ودورهما في ترسيخ معالم هذا الفن العريق.
وأوضح أن الشيخ الحاج أمحمد بورحلة، المولود سنة 1918 بمدينة القليعة، نشأ في بيئة شعبية محافظة وتشبّع مبكرا بحب الفن، قبل أن ينطلق في مسيرته منتصف الأربعينيات مع آلة المندول، متكوّنا على يد الشيخ علي بيرون، ليطبع تجربته بأسلوب خاص عُرف بـ “النوع الخلوي”. كما توقّف عن الغناء إبّان ثورة التحرير منخرطا في النضال الوطني، ثم عاد بعد الاستقلال لمواصلة عطائه، مخلفا تسجيلات إذاعية وأعمالا خالدة إلى غاية وفاته سنة 1984 بالبقاع المقدسة.
وأضاف أن الشيخ خليفة بلقاسم، المولود سنة 1907 بالقليعة، تفتحت موهبته في أجواء القصبة العتيقة، حيث تشرّب أصول الأداء الشعبي واحتك بكبار الشيوخ، فتميّز بالرصانة والإتقان الصارم للمرمات والإيقاعات والنطق السليم للشعر. وقد برع في أداء المديح والتوسلات والغزل العفيف، وترك أثرا واضحا في الجيل اللاحق، قبل أن يتوفى سنة 1951 وهو في أوج عطائه الفني.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن هذه الطبعة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على القوالب الكلاسيكية للشعبي والانفتاح المدروس على التجديد، بما يجعل من المهرجان فضاء للتلاقي بين الأجيال، ومنبرا لترسيخ أغنية الشعبي كتراث حي ومتجدد في وجدان الجزائريين.







