نجاعة الاستراتيجيات الوطنية المتخذة لضمان السيادة الغذائية للجزائريين
ضمان وصول مستقر ومستدام للسكان إلى غذاء كاف وميسور التكلفة
توجت الجزائر مسارها التنموي المستمر في القطاع الفلاحي باعتلاء صدارة الدول الإفريقية في مجال الأمن الغذائي، وفقا لما أورده مؤشر الأنظمة الغذائية الصامدة (RFSI) الصادر مؤخرا عن مركز البحث البريطاني «إيكونوميست إمباكت»، حيث احتلت المرتبة الثانية والثلاثين عالميا برصيد يقارب الخمسة والستين نقطة من أصل ستين دولة شملها التقييم الدقيق، متفوقة بذلك على جنوب إفريقيا ومصر اللتين احتلتا مراتب متأخرة نسبيا، ومسجلة في الوقت ذاته حضورها القوي في المرتبة الرابعة على مستوى العالم العربي بعد دول ذات قدرات مالية ضخمة كقطر والمملكة العربية السعودية.
ويعد هذا التصنيف الدولي بالغ الأهمية، حيث يشرف على إنجازه نخبة من الخبراء والأساتذة المنتمين إلى جامعات عالمية مرموقة على غرار جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة الأمريكية، معتمدين في ذلك على واحد وسبعين مؤشرا كميا ونوعيا مستمدا من هيئات دولية معترف بمصداقيتها كالبنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية والمعهد العالمي للموارد، حيث يبرز هذا التقرير قدرة الجزائر الفائقة على ضمان وصول مستقر ومستدام لسكانها إلى غذاء كاف وميسور التكلفة ومغذ وصحي، في سياق عالمي معقد يتسم بتفاقم الأزمات المناخية والاقتصادية والتوترات الجيوسياسية التي أحدثت فجوة عالمية تتجاوز الأربعين نقطة بين الأنظمة الغذائية الأكثر قوة وتلك الأكثر هشاشة.
وفي سياق متصل، تترجم هذه الصدارة القارية للجزائر واقعا ملموسا يعكس مستوى معيشيا يعتبر الأفضل والأكثر استقرارا على المستوى الإفريقي، فالتقرير الدولي لم يقتصر في مقاربته التقييمية على مؤشر الكميات المنتجة من المحاصيل فحسب، بل ركز بشكل جوهري على عامل سهولة الوصول إلى الغذاء الصحي والمستدام لكافة المواطنين، وهو ما يبرز نجاعة الاستراتيجيات الوطنية المتخذة لضمان الأمن الغذائي للجزائريين وحمايتهم من تقلبات الأسواق العالمية، حيث يشهد قطاع الفلاحة في البلاد طفرة حقيقية ونسب نمو مستدامة ومرتفعة تصل إلى سبعة بالمائة سنويا، مصحوبة بحجم إنتاج فلاحي إجمالي يناهز الـ40 مليار دولار في السنة، ما يضع الجزائر في موقع جيواستراتيجي يؤهلها لتلعب دورا محوريا وتكون قاطرة حقيقية تلهم وتقود القارة الإفريقية بأسرها في مجال الأمن الغذائي، من خلال نقل الخبرات وتطوير آليات التعاون الإقليمي لتحقيق التكامل الزراعي المنشود في القارة السمراء.
علاوة على ذلك، تستند هذه الحركية الزراعية الواعدة، وفق مختصين، إلى رؤية اقتصادية مبنية على استثمارات كبرى ومهيكلة تتركز بشكل لافت في مجال الفلاحة الصحراوية، التي أضحت اليوم بمثابة الخزان الاستراتيجي الذي تعول عليه الدولة لتنويع مصادر الدخل القومي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد واسعة الاستهلاك، حيث تشهد ولايات الجنوب الشاسعة ديناميكية استثمارية غير مسبوقة ينخرط فيها بقوة فلاحون ومستثمرون جزائريون، إلى جانب استقطابها لشركات أجنبية واعدة وموثوقة، لاسيما من خلال الشراكات الإستراتيجية الضخمة التي تم إبرامها مؤخرا مع شركاء دوليين وازنين على غرار دولة قطر في مجال إنتاج الحليب المجفف، وإيطاليا في مجال زراعة الحبوب الإستراتيجية، وهي مشاريع كبرى مدمجة تعتمد على أحدث التقنيات التكنولوجية في الري والزراعة، ومن شأنها مضاعفة الإنتاج المحلي بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة القادمة، بما يعزز من مناعة وقدرة النظام الغذائي الوطني على الصمود أمام مختلف التحديات المناخية والطبيعية.
وبالموازاة مع هذه المشاريع الاستثمارية الرائدة، ترتبط هذه الحصيلة الإيجابية والتصنيفات الدولية ارتباطا وثيقا بالجهود الحثيثة والمتواصلة التي يبذلها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون من أجل دعم القطاع الفلاحي وتحديث أطر تسييره، حيث أولى اهتماما بالغا بتفاصيل التسيير اليومي والميداني للقطاع بهدف الرفع من مردوديته، متخذا قرارات هامة شملت إطلاق ورشة كبرى لرقمنة قطاع الفلاحة لضمان توفر إحصائيات دقيقة تبنى عليها السياسات الاستشرافية، فضلا عن وضع آليات جديدة وعملية لتنظيم استخدام المكننة الفلاحية وتوزيعها العادل على الفلاحين، عبر استحداث ديوان وطني يشرف حصريا وبشكل مباشر على هذه العملية الحيوية، ما يبين بوضوح أن رئيس الجمهورية يهتم بأدق تفاصيل الأمور التنظيمية لتذليل العقبات البيروقراطية وتوفير كل سبل الدعم للفلاح، وهي خطوات متكاملة تعكس إرادة صلبة للدفع بالقطاع قدما وتحويله إلى ركيزة أساسية وعمود فقري للاقتصاد الوطني، بما يضمن استدامة هذا التفوق القاري ويكرس السيادة الوطنية الشاملة من بوابة الأمن الغذائي.




