تنظيـم الســوق الوطنيـة وتعزيز ثقة المتعاملين الاقتصاديين
إطلاق برامج تكوين للتجــار والمؤسسـات حول استخـدام الأنظمـــة الرقميــة
تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة توجها متزايدا نحو التحول الرقمي، في مختلف القطاعات الاقتصادية، في إطار مساعي الدولة لبناء اقتصاد أكثر شفافية وكفاءة، وفي هذا السياق، تعد رقمنة المعاملات التجارية إحدى أهم الأدوات الحديثة لتنظيم السوق الوطنية، والحد من الاقتصاد غير الرسمي، وتعزيز ثقة المتعاملين الاقتصاديين.
قال الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي، في تصريح لـ»الشعب» أن الاقتصاد الرقمي لم يعد خيارا ثانويا، بل أصبح ضرورة لبناء اقتصاد حديث قادر على التطور والمنافسة، فالرقمنة اليوم تساعد على تسهيل المعاملات، وتسريع الخدمات، وتحسين طريقة تسيير المؤسسات، كما تجعل النشاط الاقتصادي أكثر مرونة وفعالية.
كما يفتح الاقتصاد الرقمي فرصا جديدة أمام الابتكار وإطلاق المشاريع، خاصة لدى الشباب فاعتماد التكنولوجيا وتطوير الخدمات الرقمية يساهمان في تحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات، وهو ما يدعم نمو الاقتصاد الوطني ويساعد على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.
وأكد قاشي أن رقمنة المعاملات التجارية تكتسي أهمية كبيرة في تنظيم النشاط الاقتصادي والحد من الفوضى داخل السوق، خاصة في الاقتصاد، التي تعاني من انتشار المعاملات غير الموثقة فالاعتماد على الفواتير الرقمية وأنظمة الدفع الإلكترونية وقواعد البيانات المشتركة بين الإدارات الاقتصادية يسمح بتتبع العمليات التجارية بدقة أكبر، وتقليص التعاملات غير الرسمية، فضلا عن توحيد قواعد المعاملات بين مختلف المتعاملين الاقتصاديين، إلى جانب تعزيز حماية المستهلك.
وتابع الخبير أن الرقمنة تساعد المعاملات التجارية على تسهيل عمليات البيع والشراء بين المتعاملين الاقتصاديين، حيث تصبح الإجراءات أسرع وأكثر وضوحا، كما تمكن الإدارات من متابعة النشاط التجاري بشكل أفضل، وهو ما يساهم في تقليل الغش وتنظيم السوق، ويعزز الثقة بين التجار والمستهلكين.
كما تتيح الرقمنة للسلطات العمومية -بحسبه- امتلاك رؤية أوضح لحركة السلع والخدمات داخل السوق الوطنية، وهو ما يسهل ضبط السياسات الاقتصادية ومراقبة الممارسات التجارية غير القانونية، مثل المضاربة أو الفوترة الوهمية ونتيجة لذلك، تصبح السوق أكثر تنظيما وشفافية، الأمر الذي ينعكس إيجابا على مناخ الأعمال ويعزز ثقة المستثمرين.
وتساعد الرقمنة يقول قاشي، على تسهيل المعاملات التجارية اليومية بين مختلف المتعاملين الاقتصاديين، فاستعمال الأدوات الرقمية يسمح بتبادل المعلومات بسرعة ودقة، ويقلل من التعقيدات المرتبطة بالإجراءات التقليدية، وبفضل ذلك تصبح المعاملات أكثر وضوحا وتنظيما، مما يساهم في تحسين بيئة الأعمال وتشجيع النشاط الاقتصادي.
من جهة أخرى، يعد التهرب الضريبي أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من الاقتصادات، لاسيما تلك التي ما تزال في طور النمو، وغالبا ما يرتبط بغياب التوثيق الدقيق للمعاملات التجارية وهنا تبرز أهمية الرقمنة التي تلعب دورا محوريا من خلال تسجيل العمليات التجارية بشكل فوري ومؤتمن، وتقليص الاعتماد على المعاملات النقدية، فضلا عن إمكانية الربط بين قواعد بيانات الضرائب والجمارك والبنوك، بالإضافة إلى الكشف المبكر عن الفواتير الوهمية أو المعاملات المشبوهة.
كما تسمح الأنظمة الرقمية بإنشاء أثر رقمي لكل عملية تجارية، مما يجعل من الصعب إخفاء النشاط الاقتصادي الحقيقي، وبذلك يمكن للرقمنة أن تساهم بشكل كبير في توسيع الوعاء الضريبي، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية بين المتعاملين الاقتصاديين، وكذا رفع إيرادات الدولة دون اللجوء إلى زيادة الضرائب.
ورغم الأهمية الكبيرة لرقمنة المعاملات التجارية، -يقول الخبير – إلا أن تطبيقها يواجه عددا من التحديات الواقعية ومن أبرز هذه التحديات ضعف الثقافة الرقمية لدى بعض المتعاملين الاقتصاديين، خاصة لدى التجار الصغار أو المؤسسات الصغيرة التي قد تجد صعوبة في التكيف مع الأنظمة الرقمية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.
وأضاف محدثنا أنه بالرغم من التقدم المحقق في هذا المجال، إلا أن نجاح الرقمنة يتطلب أنظمة معلومات متطورة، واتصالا مستقرا بالإنترنت، فضلا عن توفير مستويات عالية من الأمن السيبراني كما أن مقاومة التغيير قد تظهر لدى بعض الفاعلين الاقتصاديين الذين يستفيدون من الوضع غير المنظم للسوق.
ولضمان نجاح رقمنة المعاملات التجارية، يمكن اعتماد جملة من الإجراءات العملية، من بينها إطلاق برامج تكوين موجهة للتجار والمؤسسات حول استخدام الأنظمة الرقمية، وتقديم حوافز ضريبية للمؤسسات التي تعتمد الفوترة الرقمية، إلى جانب تطوير البنية التحتية الرقمية الوطنية، كما يبقى من الضروري اعتماد منهجية تدريجية في تطبيق النظام، بدل فرضه بشكل مفاجئ، فضلا عن تعزيز الثقة في الأنظمة الرقمية من خلال ضمان حماية البيانات.
وأكد قاشي أن تطبيق الرقمنة بشكل فعال، له آثار إيجابية على الاقتصاد الوطني من بين أهم هذه الانعكاسات تحسين مناخ الأعمال، حيث تساهم الرقمنة في تقليص البيروقراطية وتبسيط الإجراءات، ما يجعل البيئة الاقتصادية أكثر جاذبية للاستثمار، كما تسمح الرقمنة بتسريع إنجاز المعاملات الاقتصادية وتعزيز الشفافية في التعاملات.
وتسهم المعاملات الرقمية -يقول المتحدث- في الحد من الغموض في النشاط الاقتصادي، وتقلل من الممارسات غير القانونية، إضافة إلى ذلك، فإن توفر البيانات الرقمية الدقيقة يتيح لصناع القرار إمكانية وضع سياسات اقتصادية مبنية على معلومات واقعية ومعطيات دقيقة.
وفي السياق ذاته، يمثل الاقتصاد الرقمي إحدى الركائز الأساسية لبناء اقتصاد ما بعد البترول، من خلال تطوير قطاعات جديدة قائمة على التكنولوجيا والخدمات الرقمية، كما أن الدول التي تعتمد أنظمة رقمية حديثة في التجارة تكون أكثر قدرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية وتعزيز حضورها في التجارة الدولية.وفي الأخير، تمثل رقمنة المعاملات التجارية إصلاحا هيكليا مهما في مسار تحديث الاقتصاد الجزائري، فهي ليست مجرد أداة تقنية، بل منظومة متكاملة تهدف إلى بناء سوق أكثر تنظيما وشفافية وكفاءة، ومع توفر الإرادة السياسية وتعاون مختلف الفاعلين الاقتصاديين، يمكن للجزائر أن تجعل من الرقمنة رافعة حقيقية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وتنويع مصادر الدخل.





