يحتضن قصر مصطفى باشا بالعاصمة معرضا فنيا مميزا للفنان دليل ساسي، يحمل عنوان «لوحة ألوان القصبة»، ويتواصل طيلة الشهر الفضيل، مقدما تجربة بصرية فريدة تجمع بين الفن والتكنولوجيا، وتفتح أمام الزائر عالما من الضوء والألوان غير المألوفة.
منذ الدخول إلى فضاء المعرض، يجد الزائر نفسه أمام لوحات تستعيد ملامح القصبة العتيقة بروح جديدة، حيث تتجاور الحارات والدروب والدويرات ووسط الدار والسقيفات في تشكيلات لونية لافتة، تحضر فيها العمارة التقليدية بكل تفاصيلها؛ من الأسقف والشرفات والزخارف، في مشاهد تنبض بالحياة وتعكس روح المكان وتاريخه. وتبدو القصبة في هذه الأعمال كأنها تنفتح على البحر والسماء معا، في تداخل بصري تتعانق فيه زرقة الماء مع ألوان الأفق، باعتبار أن القصبة تقابل الواجهة البحرية التي تشكل جزءا من ذاكرتها الثقافية.
ويتميز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يطلق عليه الفنان اسم «الدقة الفنية»، وهو منهج يقوم على دراسة الضوء وتحليله وتفكيكه إلى مكوناته الأساسية. فبدل الاعتماد على الألوان الزيتية التقليدية، تنطلق الأعمال من الضوء نفسه، حيث تُعالج الصور رقميا باستخدام برامج احترافية متطورة تسمح بالكشف عن طيف واسع من الألوان التي يحملها الإشعاع الشمسي، بما في ذلك تلك التي لا تراها العين البشرية.
وتكشف اللوحات المعروضة عن أطياف لونية غير مألوفة، تتجاوز الألوان المرئية لتلامس نطاقات أخرى من الضوء، مثل الأشعة تحت الحمراء وما فوق البنفسجية وحتى أشعة غاما، في محاولة فنية للاقتراب من حقيقة الضوء وتجلياته الجمالية. ومن خلال هذه التقنية، تتحول اللوحة إلى فضاء بصري غني بتدرجات اللونية التي تنتقى بعناية قبل تثبيتها على اللوحة.
ويضم المعرض أكثر من ثلاثين عملا فنيا، يغلب عليها استلهام تراث القصبة، خاصة في بعدها المعماري، حيث تتداخل العناصر التراثية مع الطبيعة المحيطة؛ فتظهر نباتات الزينة والورود والياسمين في تناغم مع المشهد العمراني، لتمنح اللوحات بعدا جماليا إضافيا يضفي على المكان روحا شاعرية.
ولا يقتصر اهتمام الفنان على العمارة الجزائرية فحسب بل يمتد إلى التراث المعماري الإسلامي عموما، حيث يشكل هذا المجال أحد مصادر إلهامه الأساسية. وتنعكس هذه الرؤية في تجاربه الفنية التي استحضرت في معارض سابقة معالم معمارية إسلامية بارزة عبر العالم، من المساجد التاريخية إلى القصور والفضاءات الروحية التي شكلت جزءا من الذاكرة الحضارية الإسلامية.
ويكشف المعرض أيضا عن مسار بحثي طويل يجمع بين الفن والتقنية، إذ يواصل الفنان منذ سنوات العمل على تطوير تجربته الرقمية عبر اختيار لقطات بصرية ومعالجتها باستخدام أدوات الإعلام الآلي، ثم إعادة تشكيلها لونيا بهدف إبراز قوة الضوء وانتشاره وتردداته المختلفة. وتتيح هذه المقاربة توسيع مجال الألوان داخل العمل الفني، بما يمنحه حيوية خاصة ويحول الضوء إلى لغة بصرية قائمة بذاتها.
وتقدّم أعمال «لوحة ألوان القصبة» في مجملها تجربة فنية معاصرة تعيد قراءة المكان والتراث من خلال التكنولوجيا، وتحول الضوء إلى عنصر إبداعي يفتح آفاقا جديدة للتعبير الفني، ليجد الزائر نفسه أمام قصبة أخرى، لا ترى فقط بالعين، بل تكتشف عبر طيف واسع من الألوان التي يكشفها الضوء في أجمل تجلياته.







