تشهد الجزائر حاليًا تنفيذ مجموعة من المشاريع العملاقة لتعزيز الإقتصاد الوطني، وتحسين مستوى البنية التحتية ومنظومة اللوجتسيك الطرقية والسّككية وحتى المينائية، في ضوء استعدادها لدخول نادي الدول الناشئة في العالم، بعد بلوغ ناتجها المحلي الإجمالي الخام قرابة 270 مليار دولار سنويًا في 2024، وتتطلّع إلى رفعه إلى 400 مليار دولار في غضون الأعوام القليلة القادمة.
شرعت الجزائر، في تنفيذ عدد كبير من المشاريع الكبرى غير الطاقوية، تشمل قطاعات المعادن والرّي والأشغال العمومية والموانئ والزراعة والسياحة، في إطار استراتيجية وطنية لتثمين مكامن الثروة والاستغلال الأمثل لمقدّرات الدولة في شتى المجالات، بغية تعظيم مساهمتها في الناتج الإجمالي الخام وتنويع الاقتصاد الجديد.
وقد تحوّلت الجزائر في آخر السنوات، إلى ورشة أشغال تنموية كبرى موزّعة على شمال وجنوب الوطن، تشمل مشاريع قاعدية ضخمة لم يسبق للحكومة أن خاضت مثيلاً لها منذ الاستقلال، على غرار منجم غارا جبيلات في ولاية تندوف، وخط السكة الحديدية الرابط بين الجزائر العاصمة وولاية تامنغست بأقصى جنوب البلاد، ومنجم الرّصاص والزنك في ولاية بجاية، ومشروع منجم الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة والخط السّككي الملحق بين تبسة وعنابة، والطريق العابر للصّحراء شمال –جنوب، ومشروع إنتاج الحليب ومشتقاته في أدرار، وزراعة المحاصيل الاستراتيجية بتيميمون وغيرها، كثير وكثير من المشاريع الحيوية التي ستُغيِّر وجه الجزائر الجديدة إلى الأفضل.
ويُنتظر من هذه المشاريع أن تُسهم في تعزيز هيكل الاقتصاد الوطني وتخليصه من بوتقة الارتباط بالريع البترولي، وتحقيق الإكتفاء الذاتي في عدد من المعادن والمواد الأولية ذات الاستخدام الواسع في الصناعات وقطاع البناء والأشغال العمومية، مع ضخّ عملة صعبة في حدود عشرات المليارات من الدولارات على الخزينة العمومية، بعد بلوغ مراحل الإنتاج والتصدير ذروتها.
وقبل أيام، ترأّس رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، اجتماع عمل تناول مدى تقدّم إنجاز المشاريع الكبرى قيد الإنجاز، المتمثلة في منجم الفوسفات ووحداته والخط السككي الشرقي التابع له، ومشروع استخراج الزنك بمنجم واد أميزور في ولاية بجاية، قبل الشروع في استغلالهما الفعلي نهاية شهر مارس الجاري، بالإضافة إلى مشروع الطريق العابر للصّحراء، وخط السكة الحديدية بين الجزائر العاصمة وتامنغست.
وفي هذا الصدد، أكّدت أستاذة الاقتصاد بالمركز الجامعي المقاوم الشيخ آمود بن مختار في ولاية إيليزي، الدكتورة سامية دومي، أنّ منجم غارا جبيلات في ولاية تندوف، يحمل إمكانات تصديرية واعدة للجزائر بالأمد القريب، لاسيما مع تزايد الطلب على الحديد المصنّع ونصف المصنّع في الأسواق الإفريقية والآسيوية. وأوضحت الدكتورة سامية دومي، في حديثها لـ«الشعب”، أنّ الجزائر مرشّحة لتصدير كميات كبيرة من الحديد في السنوات القليلة القادمة، سواءً في شكله المعالج أو كمنتجات مصنّعة ونصف مصنّعة، ما من شأنه رفع قيمة الصادرات الوطنية خارج قطاع المحروقات، ودعم احتياطيات العملة الصعبة.
وأبرزت دومي أنّ مشروع غارا جبيلات لا يعد مجرّد منجم للاستخراج الحديدي فحسب، وإنما هو برنامج اقتصادي استراتيجي طويل المدى، يُمثِّل قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر.
كما يمنح الاعتماد على خام الحديد الجزائري، وفقًا لدومي، فرصة لإنهاء فاتورة استيراده المرهقة من الخارج، وإتاحة مادة أولية محلية أقل سعرًا وتكلفة للمصنّعين والمتعاملين الاقتصاديين، وحتى المواطنين في طور عمليات البناء.
ومن جهته، كشف رئيس المنظمة الوطنية للتنمية الاقتصادية، روبعي نصر الدين منير، أنّ مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة في ولاية تبسة، يُمثِّل أرضية جاذبة للاستثمارات في القطاع الخاص والشّرَاكات الأجنبية المثمرة، نظرا إلى حاجة الأسواق الدولية المُلحّة للأسمدة والمخصّبات الزّراعية.
وفي تصريحه لـ«الشعب”، أفاد روبعي نصر الدين منير، أنّ استغلال منجم الفوسفات ببلاد الحدبة، يساعد على تطوير قاعدة الخدمات اللوجستية في الشرق الجزائري، ونقل التجارب التكنولوجية الخاصة بإنتاج وصناعة الأسمدة، بالتوازي مع أثره الاجتماعي والتنموي الإيجابي على الولايات المعنية به.
وأضاف روبعي، أنّ هذا القطب الفوسفاتي الوطني، سيُسهم في استحداث آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وتحريك عجلة التنمية في تبسة والولايات الشرقية المجاورة لها، وكذا تحسين البنية التحتية السككية والطرقية والصناعية وباقي الخدمات العمومية الأخرى.
وبناءً على ذلك، ستتحوّل المناطق الشرقية الحدودية الجزائرية من فضاءات هامشية إلى أقطاب صناعية فوسفاتية إقليمية ودولية في الأمد القريب، يذكر محدثنا.
بالحديث عن إنجاز الرّصيف المنجمي بميناء ولاية عنابة، شرح روبعي، أنه مسخّر لتصدير ملايين الأطنان من فوسفات بلاد الحدبة سنويًا، معتبرًا إيّاه حلقة مكمّلة للمنظومة الاستخراجية والإنتاجية، وسيُمكّن الجزائر من ولوج الأسواق الإفريقية والمتوسطية، وتعزيز موقعها كمموّن رئيسي وموثوق للفوسفات الخام والأسمدة الفوسفاتية المعالجة محليًا.
من جانبه، أكّد رئيس المركز الجزائري لرجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين، مسعود تيمونت، أنّ خط السكة الحديدية الواصل بين شمال وجنوب البلاد “الجزائر العاصمة –تامنغست”، يُشكِّل جسر عبور حيوي للقارة الإفريقية، وخاصة دول الساحل المجاورة.
وأوضح مسعود تيمونت، في تصريح أدلى به لـ«الشعب”، أنّ مشروع ربط أقصى الجنوب الكبير بالجزائر العاصمة، يتضمّن خطوطا سككية سريعة تصل سرعتها إلى 220 كلم في الساعة، ويجري حاليًا إنجاز الشق الأهم بين الأغواط وولاية تامنغست الحدودية مع دولة النيجر الشقيقة، وكل ذلك مرورًا بولايات غرداية وحاسي مسعود وورقلة والمنيعة وعين صالح، وسط صحراء الجزائر الفيحاء.
هذا النوع من المشاريع سيكون بمثابة شريان لعملية شحن ونقل مختلف المواد والبضائع نحو تامنغست، ونقل المواطنين ذهابًا وإيابًا في ظروف مريحة نحو العاصمة، مع تسهيل ولوج الأسواق الإفريقية في ظل وصول السكة الحديدية والقطار إلى المناطق الحدودية الجنوبية، مثلما أفصح تيمونت.
للإشارة، سجّل الإقتصاد الجزائري في السنوات السّت الأخيرة، أداءً إيجابيًا، ونموًا متعاظمًا تجاوز 4.8 بالمئة في القطاعات غير الطاقية، أشادت به المؤسّسات المالية العالمية، على غرار صندوق النقد والبنك الدوليين، مع استمرار جهود زيادة الصادرات الوطنية غير البترولية والعمل على ترفيعها إلى 10 مليارات دولار أمريكي. وقد جاءت هذه الطفرة الإقتصادية غير المسبوقة في الجزائر، بعد إصلاحات عميقة تبنّاها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أسفرت عن تحقيق نمو قياسي في عديد القطاعات، وأدت إلى حصول تنوّع ملموس في مصادر الدخل، جعلت الإقتصاد الوطني أكثر قدرة وتكيّفًا مع الأزمات الداخلية والخارجية.


