كانت السّماء فوق غزّة لا تعرف النوم، كلّما أغمضت عيونها للحظة، أيقظها صوتٌ يشبه انكسار العالم. لم تنتهِ الحرب بعد، والقصف لم يتوقّف، وما زال مستمرّا عليهم كأنّه مطرٌ لا يحمل ماءً بل نارًا.
في أحد البيوت التي تعلّمت الجدران فيها الصمت، جلست ليلى قرب النافذة المكسورة. لم تكن تنظر إلى الخارج، بل كانت تنظر إلى شيءٍ أبعد من الركام. كانت تحاول أن تتذكّر كيف كان صوت العصافير قبل أن يختلط بصوت الطائرات، وكيف كان الليل يُقاس بعدد النجوم لا بعدد الانفجارات.
قالت أمّها بصوتٍ خافت:
«سينتهي كلّ شيء يومًا”
لكن كلمة “يومًا” بدت بعيدة، بعيدة كحلمٍ لا يجرؤ أحد على تصديقه.
في الخارج، الشوارع التي كانت تحفظ أسماء الأطفال صارت تحفظ أسماء الشهداء. الأبواب المفتوحة لم تعد تنتظر عودة أحد، بل تنتظر خبرًا يطمئن القلوب المتعبة. ورغم ذلك، ظلّت الحياة تتشبّث بما تبقّى منها؛ رغيف خبزٍ يُقسَم بين إخوة، شمعةٍ تُضاء في عتمةٍ طويلة، دعاءٍ يرتفع من قلبٍ يرتجف لكنه لا ينكسر.
ليلى كانت تخاف، نعم. لكنّها كانت تخبّئ خوفها في جيب فستانها القديم، وتخرج بدلًا منه ابتسامةً صغيرة لأخيها الأصغر. كانت تقول له:
«عندما تهدأ السماء، سنذهب إلى البحر”.
لم تكن متأكّدة متى ستهدأ، لكنها كانت متأكدة أن البحر ما زال هناك، ينتظرهم كما ينتظرهم الغد.
وفي كلّ ليلةٍ جديدة، حين يعود القصف ليذكّرهم بأن الحرب لم تنتهِ بعد، كانت القلوب هناك تتعلّم درسًا واحدًا:
أنّ البقاء نفسه مقاومة،
وأنّ تحت سماءٍ لا تنام،
تظلّ الأرواح تبحث عن فجرٍ يشبهها…
فجرٍ لا يحمل سوى الضوء.







