ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 30 في المائة، أمس الاثنين، على خلفية الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية، التي أحدثت هزّة في أسواق الطاقة وتثير مخاوف من اضطراب في الإمدادات لمدة مطوّلة.
يأتي الارتفاع عقب ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 120 دولارا للبرميل، مع خفض المزيد من المنتجين الرئيسيين في الشرق الأوسط إنتاجهم، واستمرار إغلاق مضيق هرمز فعلياً.
وبالنسبة لأسواق الغاز تحديداً، فإنّ أوروبا في وضع هشّ، إذ تخرج من فصل الشتاء وخزاناتها فارغة. وهذا يعني أنها ستضطر إلى شراء المزيد من شحنات الغاز الطبيعي المسال هذا الصيف لإعادة ملء خزاناتها، في منافسة مع مشترين في آسيا على مخزون محدود من الإمدادات، إذا لم تتمكّن تدفقات الشرق الأوسط من الوصول إلى الأسواق العالمية.
منظومة الطاقة الدولية هشّة
لقد أعاد توقّف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر وشلل مضيق هرمز، على وقع الحرب الأمريكية الصّهيونية على إيران، والهجمات الإيرانية على قطر ودول الخليج وبعض دول المنطقة، أوروبا والعالم إلى أجواء «صدمة طاقة» جديدة تشبه في حدتها أزمة 2022، لكن في سياق جيوسياسي أشدّ تعقيداً وأكثر تشابكاً مع حسابات الأمن والاستراتيجية.
فتعليق العمل في مرافق «رأس لفان» القطرية، التي تُسهم بنحو خُمس الإمدادات العالمية من الغاز المسال، لم يؤد فقط إلى قفزة فورية في الأسعار قاربت 50% في مراكز التداول الأوروبية والآسيوية، بل كشف أيضاً عن مدى هشاشة منظومة الطاقة الدولية أمام أي اضطراب في الخليج، بوصفه مركز إنتاج وممرّ عبور حيوياً معاً.وتُفاقم هذه الصدمة حساسية أوروبا، التي باتت تعتمد بشكل أكبر على واردات الغاز المسال من قطر والولايات المتحدة، بعد تقليص الواردات الروسية منذ 2022، في حين تبقى آسيا الوجهة الرّئيسية لصادرات الغاز القطري (أكثر من 80%)، ما يعني أنّ أوروبا تتلقى ضربة سعرية ونفسية أكبر رغم أنّ حصة أوروبا من الغاز القطري أقل من آسيا.
هذه الصدمة لا تتعلّق بالتوقف الفعلي للإمدادات فقط، بل أيضاً بتسعير المخاطر المستقبلية، إذ تبادر الأسواق إلى رفع الأسعار بمجرّد ارتفاع احتمالات تعطّل الصادرات أو تعرّض الملاحة في الخليج للخطر، ما يعيد إنتاج مناخ أزمة 2022 المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، ولكن في سياق جيوسياسي مختلف يتصل بالمواجهة الأمريكية الصّهيونية مع إيران.
وسجّلت تقديرات الخبراء هشاشة السوق الأوروبية، التي تقف اليوم أمام حلقة مشابهة لصدمة أسعار الطاقة في 2021–2022 وما صاحبها آنذاك من ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء بأكثر من 400%، والذي أدى إلى تسارع التضخّم وتباطؤ النمو بشكل حادّ، وتراجع الإنتاج في قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والمعادن والأسمدة.
معضلة تزيد الاحتقان الاجتماعي
ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء في دول أوروبا سيترجم إلى زيادة فواتير الطاقة للأسر والسكان، ما يضغط على القدرة الشرائية ويزيد الاحتقان الاجتماعي، كما أنّ ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي، وتقليص هوامش الرّبحية، قد يؤدّي إلى إغلاق أو نقل بعض الصناعات خارج أوروبا إلى مناطق طاقة أرخص، كما حصل جزئياً بعد 2022.
ويعيد هذا السيناريو، فتح ملف تدخّل الحكومات لدعم السكان والشركات عبر حزم مالية كبيرة، وهو ما يزيد أعباء الموازنات العامة في دول تعاني أصلاً عجزاً متزايداً وضعفاً في القطاع الصناعي وارتفاعاً في البطالة، مثل فرنسا وألمانيا.


