فضاء يعكس تحوّلات عميقة في الحياة الاجتماعية والثّقافية
ضمن سلسلة “رمضان بعيون مثقّف” التي تفتحها “الشعب” للحوار مع الباحثين حول دلالات الشهر في المجتمع، يبرز رمضان كفضاء يتجاوز البعد التعبّدي ليعكس تحولات عميقة في الحياة الاجتماعية والثقافية. ففي الجزائر المعاصرة تتقاطع الروحانية مع منطق السوق والذاكرة الجماعية مع إيقاع العصرنة. ولإضاءة هذه التحولات السوسيولوجية والأنثروبولوجية، تحاور “الشعب” البروفيسور محمد زيان، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الشلف.
– الشعب: كيف يمكن لعلم الاجتماع أن يقرأ التّحولات التي عرفها هذا الشهر في العقود الأخيرة، خصوصا في ظل العولمة، التحولات الاقتصادية، وصعود الثقافة الاستهلاكية؟
البروفيسور محمد زيان: يمكن لعلم الاجتماع عبر بعض مقارباته النظرية والمنهجية، أن يقرأ تحولات شهر رمضان الفضيل، باعتباره مرآة للتحولات البنيوية التي تحدث في المجتمع الجزائري، فهو لم يعد فقط زمنا روحيا يعيد إنتاج التّضامن والتّكافل الاجتماعيين كما كان في السابق، بل أصبح كذلك موسما اقتصاديا وإعلاميا تعاد فيه صياغة المعاني عبر السوق والصورة والرمز، حيث يتحول الاستهلاك إلى إنتاج للمعنى والمكانة، ويتعايش فيه البعد الروحي مع منطق السوق والرأسمالية التّي تفرض نفسها بقوة في عالم اليوم، لتعاد صياغة رمضان داخل شبكة من التحولات الاقتصادية والثقافية والتقنية، ولكن دون أن يفقد كليا وظيفته التّضامنية.
– إلى أيّ حد يمكن القول إنّ رمضان انتقل من كونه فضاء لإعادة إنتاج التّضامن الاجتماعي إلى الاستهلاك وإعادة إنتاج الفوارق الطبقية، خاصة فيما يتعلق بأنماط الاستهلاك والمظاهر الرّمزية المرتبطة بالمائدة واللباس والاحتفال؟
شهدت أجواء رمضان – في اعتقادنا – تحوّلات جزئية، حيث أصبحت أنماط الاستهلاك مؤشرا على المكانة الاجتماعية، فالذوق وأنماط الاستهلاك ليست محايدة على حد تعبير عالم الاجتماع – بيار بورديو – بل تعكس رأس المال اقتصادي وثقافي، وبالتالي تتحول المائدة أو طقوس الاحتفال لوسيلة للتمييز الاجتماعي. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الشهر في بعده الاستهلاكي فقط، إذ ما تزال ممارسات التكافل والصدقات والإفطار الجماعي قائمة، لكنها تتعايش مع مظاهر رمزية قد تعمق الإحساس بالفوارق بين الفئات الاجتماعية.
– هل ما يزال الإفطار الجماعي يحمل نفس الحمولة الرمزية والروحية التي كان يحملها في المجتمعات التقليدية؟
في رأينا ومن خلال ملاحظاتنا المتواضعة، لم يعد الإفطار الجماعي يحمل نفس الدلالات الرمزية والروحية، وهو أمر طبيعي، وذلك بسبب تغير أشكال الاجتماع والتلاقي في زمن العصرنة والعولمة وتقنيات الإعلام والاتصال الجديدة وأساليبها. كما أن الطقوس لا تختفي، على حد تعبير عالم الاجتماع – إميل دوركهايم – بل يعاد تشكيل معناها حسب بنية المجتمع، وبالتالي فالإفطار الجماعي لم يفقد دلالته الروحية كليا، بل أصبح يتراوح بين العمق التعبدي والبعد الاجتماعي الرمزي تبعا للسياق الطبقي والثقافي.
– هل يمكن اعتبار بعض الممارسات الرّمضانية اليوم شكلا من أشكال “التدين الاجتماعي”، الذي يهتم بالمظهر الجمعي أكثر من التجربة الفردية العميقة؟
نعم هذا ما يبدو لي بجلاء، حيث أصبح الالتزام الظاهري بالصيام أو حضور فعالياته أو إظهار مظاهر التقوى جزء من التوقعات الاجتماعية التي تضبط السلوك داخل الجماعة، ويمكن فهم هذه الظواهر وفق تحليل الباحث “إيرفين غوفمان” باعتبارها نوعا من إدارة الانطباع، حيث يسعى الأفراد لتقديم صورة متوافقة مع المعايير السائدة في المجتمع الجزائري، أي سعي مبالغ فيه للمزيد من الاعتراف وتحقيق الذّات. ومع ذلك، لا يعني أن التدين فقد عمقه كليا، بل أعتقد أنّنا اليوم أمام تداخل بين إيمان فردي صامت من ناحيةٍ، وتدين اجتماعي مرئي تحكمه نظرة الجماعة ومعاييرها الرمزية من ناحية أخرى.
– في رأيكم، هل أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل رمضان إلى فضاء للعرض الرمزي للذات (استعراض المائدة، الطقوس، الأعمال الخيرية)؟ وهل يمكن قراءة ذلك ضمن ما يسمّيه علماء الاجتماع “رأس مال رمزي”؟
بطبيعة الحال، لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بدرجة واضحة في ذلك، ويمكن قراءته في ضوء مفهوم الرأسمال الرمزي لدى بورديو، إذ تمنح هذه العروض الرقمية لصاحبها قدرا من الاعتراف والمكانة والشرعية الأخلاقية داخل الحقل الاجتماعي، وإن كانت مستمدة من فضاء عمومي افتراضي وليس فيزيفيا. كما يمكن توظيف تحليل الباحث “غوفمان” حول تقديم الذات، حيث تصبح المنصات الرقمية بمثابة مسرح تدار فيه الانطباعات والآراء. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن كل مشاركة هي بالضرورة استعراضية، بل تكشف عن تداخل معقد بين نية فردية صادقة، ومنطق رمزي تحكمه ثقافة الصورة والاعتراف، لا شك أنه صار يفرض نفسه فرضا بسبب القدرة الهائلة لمواقع التواصل الاجتماعي على التأثير في الجماهير وتغيير سلوكاتهم.
في الأخير دعونا نقول بأن شهر رمضان في المجتمع الجزائري يكشف عن تحول في أشكال التعبير الديني والاجتماعي، لكن دون أن يفقد جوهره بالكامل، فهو اليوم فضاء تتقاطع فيه الروحانية مع السوق، والتضامن مع الرمز، والتجربة الفردية مع العرض الجماعي، بما يعكس ديناميكية المجتمع وتحولاته أكثر مما يعكس قطيعة نهائية مع الماضي.





