انهيـار اليقين الوظيفـي أعاد تشكيـل الوعـي الجزائري
دمج المهارة التقنيـة بالفكر المقاولاتي لتحقيــق التنميـة
يرى المختص في علم الاجتماع د. حليم مصطفى أن التنمية في الجزائر اليوم تعتبر رهانا بشريا قبل أن تكون رهانا ماليا، وذلك انطلاقا من تفكيك المسار التاريخي والاجتماعي للشخصية الجزائرية، مؤكدا أننا اليوم نجد أنفسنا أمام منعطف تاريخي يضع الشباب في واجهة الأحداث، حيث فرضت التراكمات والمتغيرات عليهم التحول من باحثين عن الأمان الوظيفي إلى صانع للثروة الوطنية.
أوضح د. مصطفى في تصريح لـ “الشعب” أن دور الشباب في التنمية بالجزائر يمر حاليا بعملية تغير البرمجية الذهنية، فالبلاد لا تحتاج إلى موظفين جدد بقدر ما تحتاج إلى مغامرين بعلم، ومقاولين بروح وطنية، يؤمنون بأن تسعة أعشار الرزق في المبادرة والمخاطرة والعمل الحر، وليس في انتظار راتب آخر الشهر، وهو ما يفسّر الرؤية الجديدة لرئيس الجمهورية التي رسمها لهذه الفئة من أجل إدماجها في العملية التنموية لتحقيق النهضة الاقتصادية المرجوة في كل المجالات وكذا على المؤسسات الناشئة وولوج عالم المقاولاتية، مستفيدين من مختلف الآليات والإصلاحات التي عرفتها مختلف المؤسسات على كل المستويات سيما قطاعي التعليم العالي والتكوين التعليم المهنيين.
وفي قراءته للتحولات التي طرأت على وعي الشباب بدورهم في مسار التنمية، أكد المختص في علم الاجتماع أنه لا يمكن فهم سلوك الإنسان الجزائري اليوم بمعزل عن سياقه التاريخي، مستشهدا بمقولة عالم الاجتماع “رايت ميلز” حول ضرورة وضع الظواهر في سياقها الزمني، فبالعودة إلى الوراء يرى المتحدّث أن النظام الاشتراكي قديما رسّخ صورة الذهنية الوظيفية كأداة لامتصاص البطالة وتحقيق السلم الاجتماعي، مما جعل الوظيفة غاية في حد ذاتها لا وسيلة للإنتاج وهو ما يفسّر التمسك بالوظيفة العمومية، حيث ترسخ في الذهنية الجماعية أن العمل في مؤسسات الدولة هو حق مكتسب لا يتطلب بالضرورة إنتاجية عالية، بل هو وسيلة للاستقرار السياسي والاجتماعي.
ومن هنا كان لزاما كسر هذه القيود التاريخية والتحرر من عقدة “رزق البايلك”، من أجل تفعيل دور الشباب في التنمية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال التحرر النفسي من فكرة أن الدولة هي الموظف الوحيد، فالتنمية الحقيقية تتطلب شبابا يؤمن بأن قيمته الاجتماعية لا يستمدها من الكرسي الإداري، بل من القيمة المضافة التي يقدمها للسوق عبر العمل الحر والمبادرة الخاصة.
ويرى المتحدّث أن نقطة التحول الحقيقية والكبرى كانت مع انهيار أسعار البترول في منتصف الثمانينيات، هذه الهزة الاقتصادية لم تكن مجرد أرقام، بل كانت علاجا بالصدمة للمجتمع وانهيار اليقين الوظيفي، وجد الجزائري نفسه أمام واقع جديد إفلاس المؤسسات العمومية، وانهيار القدرة الشرائية، وتحول إطار الدولة إلى شخص يبحث عن لقمة العيش في مهن بسيطة، مما ولد صدمة نفسية واجتماعية عميقة؛ حيث فقدت الوظيفة هيبتها التقليدية، وأصبح البحث عن “الثراء السريع” أو “التجارة” فكان اقتصاد البازار هو البديل المتاح.
وحسب المختص في علم الاجتماع كان لزاما على الدولة عدم الاستمرار في الوضع فبرز خيار تفعيل دور الشباب الجامعي في توجيه التنمية من خلال المؤسسات الناشئة، حيث أدركت الحكومة أهمية هذه المؤسسات لتعزيز التنمية، غير أنها لم تعرف التحرك الجدي، إلا بعد 2019، وانتخاب عبد المجيد تبون، الذي ركز على أهمية التكنولوجيا والمؤسسات الناشئة، وربط مستقبل الاقتصاد بالاعتماد على دعم هذه المؤسسات لتحفيز الابتكار، استحداث الوظائف، وتحقيق التنمية الاقتصادية.
ويرى د. مصطفى أن التنمية ليست أرقاما في البنوك، بل هي إيمان بالفكرة، فالدولة وضعت الآليات واستحدثت أجهزة المرافقة والمتابعة والدعم، ومن هنا فالمؤسسات الناشئة التي تحمل بذور النجاح هي التي يمتلك أصحابها “عقيدة المشروع”، مستحضرا فكر مالك بن نبي، وتحديدا “مرحلة الروح”، فنجاح أي مشروع لا يتوقف على “المال” فقط، بل على “الفكرة” والإيمان بها، فالنجاح على حد قوله يتطلب التضحية “كما يضحي المنقب عن الذهب في الجبال”.
وأشار المتحدّث إلى أن المشكلة تكمن في أن البعض يلجأ للمؤسسات الناشئة من أجل الثراء وليس حبا في المبادرة، فالإنسان الذي يفكر بعقلية الموظف ويحمل ذهنية الإدارة وينتظر راتب نهاية الشهر سيجد صعوبة في إدارة مؤسسة تخضع لقوانين الربح والخسارة، وعليه يجب على الشباب أن يتحلّوا بطول النفس والتضحية، فالتنمية لا تتحقق بمشاريع “وهمية” من أجل الحصول على قروض فقط، بل بمشاريع تنبع من شغف حقيقي، حيث يضحي الشاب بوقته وماله لإنجاح فكرته.
ولتعزيز ثقة الشباب في مؤسسات الدولة ومختلف الأجهزة المستحدثة لمرافقتهم في هذه المهمة التنموية، أكد المختص في علم الاجتماع، أنه احتواء مجهود هذه الفئة وتبني أفكارهم وذلك من خلال استغلال براءات الاختراع والابتكار التكنولوجي، في المقابل يتعين على الشباب استقراء الاحتياجات الوطنية والانخراط في مسعى الدولة بما في ذلك خوض غمار المناولة التي تخدم الصناعات الكبرى وتعد سلسلة هامة للتوريد، بدلا من انتظار التوظيف المباشر، لأن التنمية هي الانتقال من استهلاك المنتجات إلى ابتكار الحلول التقنية محليا.
في المقابل، تطرق د. مصطفى إلى الواقع السوسيولوجي وإلى الفجوة بين التكوين الأكاديمي واحتياجات التنمية، حيث تجري عملية تكييف التخصصات على مستوى مختلف الهيئات التعليمية، سيما الجامعة والتكوين المهني من أجل مواكبة طلب سوق الشغل والمهن التي يطرحها، من أجل ضمان مساهمة الشباب في التنمية، حيث يتعين عليهم التكوين المستمر واكتساب الحرف المهنية والمهارات الرقمية، لهذا تسعى الجامعة للتحول من مصنع لطالبي الشغل إلى مخبر لخالقي الثروة، فالشباب الناجح هو من يجمع بين الفكر السوسيولوجي والمهارة التقنية.
وأكد المختص في علم الاجتماع أن التنمية هي فعل للحركة والاستمرار، والخروج من المنطقة الدافئة إلى الميدان، والجزائري بطبعه يرفض الحقرة ومعروف بتحدّي الصعاب، وأفضل رد على التحديات الاقتصادية هو النجاح الميداني وفرض الذات كمقاول ناجح.




