دلالات تتجاوز الإجراءات التقنية أو التجارية وتترجم إرادة سياسية صارمة ومستمرة
تقليص فاتورة الواردات العشوائية وتشجيع الإنتاج المحلي
شكل الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء محطة مهمة للتأكيد من جديد على التوجه الراسخ للدولة الجزائرية، حيث تم التطرق إلى مسألة استيراد قطعان الماشية تحسبا لعيد الأضحى القادم، وهو قرار يحمل في طياته دلالات تتجاوز الإجراءات التقنية أو التجارية بل يترجم إرادة سياسية صارمة ومستمرة لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون في جعل حماية القدرة الشرائية للمواطن الجزائري قاعدة ثابتة ودائمة لا تقبل أي استثناء مهما كانت الظروف.
يتأكد النهج بشكل أوضح إذا استذكرنا التحركات الاستباقية المماثلة التي ميزت العام الماضي، حين أقدمت الدولة الجزائرية على استيراد مئات الآلاف من رؤوس الماشية في وقت قياسي لتلبية الطلب المتزايد في السوق الوطنية، وتمكين عدد كبير من الجزائريين من أداء هذه الشعيرة الدينية وتقديم الأضاحي بأسعار مدروسة وميسرة، حيث لم تتجاوز في أقصاها سقف الأربعين ألف دينار جزائري، مما شكل درعا حاميا للعائلات البسيطة والمتوسطة الدخل.
كذلك، لا يمكن قراءة هذه الخطوات المعززة للجانب الاجتماعي بمعزل عن مسار شامل ومتكامل انطلق فعليا منذ تولي رئيس الجمهورية مقاليد الحكم في أواخر عام 2019، حيث تم وضع المواطن وتأمين احتياجاته الأساسية على رأس قائمة الأولويات المطلقة للدولة، وهو التوجه الذي مكن الجزائر من اجتياز فترات عصيبة وإخراج اقتصادها من عنق الزجاجة، بالرغم من توالي الأزمات الكبرى التي ضربت الاقتصاد العالمي، بدءا من الركود التضخمي وتداعيات كورونا، وصولا إلى النزاعات الجيوسياسية والعسكرية المعقدة التي تشهدها المنطقة العربية والإقليمية والتي أربكت سلاسل التوريد العالمية، علاوة على ذلك، فإن نجاح الجزائر في الحفاظ على طابعها الاجتماعي وفر أرضية صلبة للانطلاق في ورشة إصلاحات هيكلية جريئة مست صميم البنية الاقتصادية للبلاد.
وفي الشأن الاقتصادي البحت، تبنت الجزائر سياسات حمائية مدروسة وشجاعة ارتكزت أساسا على تقليص فاتورة الواردات العشوائية وتشجيع إحلال الإنتاج المحلي، ورغم أن هذا التحول الجذري في السياسة التجارية واجه في بداياته الأولى معارضة شديدة ومحاولات كبح من قبل أطراف داخلية وخارجية، وصلت إلى حد ممارسة الاتحاد الأوروبي لضغوط دبلوماسية واقتصادية مكثفة لحث الجزائر على التخلي عن سياسة دعم المنتوج المحلي وفتح أسواقها بلا قيود، إلا أن تمسك السلطات العليا بهذا النهج السيادي أثمر نتائج مبهرة في وقت وجيز، وساهم بشكل مباشر في بعث وتوسيع قاعدة صناعية وطنية قوية ومتنوعة، وهي حقيقة ملموسة يسهل على أي مواطن أو مراقب أن يكتشفها بمجرد التسوق في المساحات التجارية الكبرى، حيث أضحت المنتجات جزائرية الصنع، لاسيما في قطاع الصناعات الغذائية التحويلية، تفرض سيطرتها وتستحوذ على نسبة تقارب التسعين بالمائة من إجمالي المعروض، وبجودة وتنافسية تلبي تطلعات المستهلك المحلي.
كذلك، وما يبعث على الاستغراب اليوم ويثبت في الوقت ذاته رجاحة المقاربة الجزائرية المبكرة، هو التغير المفاجئ والجذري في نبرة الخطاب الاقتصادي الغربي، فقد توقف المتابعون مطولا عند التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال كلمته أمام قادة الاتحاد الأوروبي، حيث أكد بلهجة مغايرة أن القارة الأوروبية اليوم تتصرف بسذاجة مفرطة وخطيرة في ظل التحولات العالمية، منتقدا بشدة عدم توفير الحماية اللازمة لقطاعاتها الصناعية وللمنتجات الأوروبية محلية الصنع في مواجهة الإغراق الخارجي، ومطالبا مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشكل مستعجل بضرورة مراجعة سياساتها والمضي قدما في وضع سياسة حمائية صارمة وشاملة لحماية الاقتصاد الأوروبي من التآكل، وهو ما يبرز مفارقة واضحة حيث تبحث أوروبا اليوم عن تبني نفس السياسات الحمائية التي كانت تعاتب الجزائر على تطبيقها لحماية اقتصادها.
بالإضافة إلى ذلك، يرى الخبراء الاقتصاديون أن هذا التناقض الأوروبي يسلط الضوء على قيمة القرارات الجزائرية الاستباقية، وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور توفيق العياشي، أستاذ الاقتصاد القياسي، في تصريح لـ “الشعب” أن الجزائر في الأصل سبقت دول المنطقة والعديد من الدول الغربية بعديد السنوات بفضل هذه النظرة الاستشرافية الثاقبة التي قلما نجدها اليوم في دول العالم، حيث أن هذا الإجراء السيادي الذي اتخذ بقوة بداية من عام 2019، قد حصن الجزائر بشكل فعال من الكثير من المشاكل والأزمات الاقتصادية التي كانت لتتحول إلى أزمات سياسية واجتماعية طاحنة، ونتيجة لهذا الاستباق، فإن النقاش السائد في الجزائر اليوم هو نقاش ذو طابع اقتصادي وتنموي بحت، يبحث في نسب النمو وتطوير الصادرات، وهو ما يعكس حالة الاستقرار المؤسساتي العميق، بينما لا تزال الكثير من الدول المجاورة والإقليمية تغرق في نقاشات أمنية وجودية معقدة، وبالتالي يتأثر اقتصادها سلبا ويصبح متعثرا وتابعا بشكل كلي للتقلبات الخارجية.
يضيف الدكتور العياشي، وأمام هذه الحصيلة والمكتسبات المحققة، يتوجب على الجزائريين اليوم أن يستغلوا هذه الفترة المتميزة من الاستقرار والهدوء المؤسساتي للمضي قدما وبخطى ثابتة، والالتفاف حول المسار الذي رسمه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، لاسيما وأن برامج التنمية الممتدة إلى غاية عام 2027 تمثل نقطة تحول مفصلية في مسار النهضة الجزائرية، وتؤسس لانطلاقة حقيقية للدخول في مرحلة متقدمة لجزائر ما بعد الجزائر الجديدة، التي تعتمد على الإنتاج وخلق الثروة المستدامة، وحتى ما يشهده العالم اليوم من تجاذبات دولية وإعادة تشكيل للخريطة الاقتصادية العالمية يصب في مجمله في صالحنا، وعلينا أن نعرف كيف نستغله بكل حكمة وبراغماتية، خاصة وأن رئيس الجمهورية يمتلك من الحكمة والرشاد وبعد النظر في فهم ما يحدث على الساحة الدولية ما يكفي لضمان الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة وتوجيه بوصلة البلاد نحو بر الأمان والازدهار الشامل.

