تشهد ولاية تيزي وزو خلال شهر رمضان الفضيل أجواء استثنائية، قلّ ما تعوّد ساكنة المنطقة عليها، وهي استقبال مجموعات من الزائرين من مختلف ولايات الوطن، والذين وجدوا في الطبيعة الخلابة والجمال الساحر الذي تختزله قرى وجبال منطقة القبائل، وحتى شواطئها الملاذ والوجهة المفضلة، لصنع أجواء رمضانية فريدة من نوعها، يعتبروها الكثيرون مغامرة من نوع اخر، تبقى راسخة في الذاكرة للأبد.
تعتبر السياحة الجبلية والشاطئية في عز الايام المباركة من شهر رمضان عادة جديدة أضفت على هذه المناسبة الدينية، رونقا وخصوصية من شكل آخر، ففي الوقت الذي تحرص فيه العائلات على التجمع وقضاء أجواء رمضان في منازلها ووسط أفراد عائلاتها، وجدها آخرون من هواة السياحة والمغامرة فرصة لاستكشاف عادات وتقاليد مختلف مناطق الوطن، وذلك من خلال نزولهم ضيوفا في إطار التبادل السياحي، والجلوس على طاولة واحدة تجمع العديد من الاشخاص من مختلف الولايات، ما زاد من جمال شغف السياحة وتذوق مختلف الاطباق التقليدية التي تشتهر بها كل منطقة في شهر رمضان.
منطقة القبائل التي تزخز بمقومات سياحية في مختلف المجالات، فتحت أبوابها على مصراعيها خلال هذه الايام المباركة، لاستقبال الوفود السياحية القادمة اليها، وذلك لاستكشاف مختلف الكنوز التي يحويها ارثها الثقافي والاجتماعي، والذي يعيد الزائر سنوات طويلة الى الوراء، في معادلة فريدة لاستحضار الماضي في الحاضر، وعيش أجمل الاوقات في ذكرى الأجداد والجدات، والذين ما تزال ذكراهم عالقة وراسخة في نفوس سكان منطقة القبائل، الذين حافظوا على كل ما هو تقليدي يعبق برائحة التاريخ.
قرى تيزي وزو وشواطئ أزفون تعتبر الوجهة المفضلة للسياح في شهر رمضان، حيث يشدّون رحالهم إليها وسط أجواء من الفرح، والفرجة والمتعة التي يصنعونها وسط أهالي القرى، خاصة المصنفة ضمن قائمة القرى المتحصلة على لقب اجمل وانظف قرية، هذا اللقب الذي اعاد الوجه الجمالي التقليدي لقرى تيزي وزو، واعاد معه مظاهر الضيافة والكرم التي يجود بها سكان منطقة القبائل، ليصنع الساكنة مع الزائرين أجواء استثنائية تسودها الاخوة.
بعد يوم شاق من السير عبر أزقة القرى التي تكون في برنامج الزيارة، لاستكشاف الوجه الجمالي للبيوت العتيقة والقديمة، حيث يستمع الزوار والسياح لشرح واف ومفصّل حول تاريخ، عادات وتقاليد المنطقة، خاصة خلال شهر رمضان، يقوم سكان القرية بتحضير وجبة الافطار للزوار والسياح الذين نزلوا ضيوفا عليهم خلال هذا الشهر الكريم، هذه التحضيرات التي تتم على مستوى دار الضيافة، الذي يخصص لمثل هذه المناسبات، والذي يحتضن الزوار ويجمعهم على طاولة افطار واحدة يتقاسمون عليها وجبات الطعام المختلفة، والتي تتسيّدها الأطباق والأكلات الشعبية التقليدية، وسط أجواء من الدفء العائلي والفرح والبهجة، لعيش هذه اللحظات والتجربة المغايرة.
الانتهاء من تناول وجبة الافطار هي بداية لسهرة طويلة تطول معها الأحاديث الجانبية، والتي تتخللها وصلات غنائية من الفن الشعبي النسوي، التي تترجم يوميات سكان المنطقة عبر ايقاع موسيقي تشكل سينفونية غنائية رائعة يتفاعل معها السياح، وأبيات شعرية تؤنسهم الى غاية السحور، وهو ما يجعل من هذه الجولة السياحية رحلة لا تنسى، وذكرياتها ستبقى راسخة في نفوس وقلوب من عاشوا هذه التجربة وسط الطبيعة الخلابة والقرى القابعة في اعالي جبال جرجرة.
قرى منطقة القبائل لم تكن الوجهة الوحيدة للسياح والزوار في عز شهر رمضان، حيث استقطبت شواطئ أزفون، عشاق الامواج وصوت ارتطامها بالصخور والرمال، كاسرة صوت الصمت والفراغ بعدما غادرها المصطافون، ليمتلئ المكان مجددا بصوت الضحكات والمزاح، والحركية التي صنعها السياح في هذا الفصل والشهر، خاصة وانهم قرروا تنظيم إفطار جماعي على الشاطئ، والذي صاحبته تحضير وجبة الافطار بالطريقة التقليدية، وعلى دفء النار التي أشعلوها بالمكان، لتوزع الأدوار ويتشارك الجميع في عملية طهي مختلف الاطباق، حيث يفترشون الرمال من أجل تناول وجبة الافطار، في اجواء تسودها الضحكات والفرح والمرح، خاصة بحضور العود والقيتار والدف، التي تعزف عليها أجمل النغمات الموسيقية، ما يجعل من هذه الرحلة والجولة السياحية في معالم تيزي وزو، ذكرى لا تنسى سجلت تفاصيلها في ذاكرة كل من حط رحاله بالمكان.




