لم يعد الحديث عن ترشيد الاستهلاك ومكافحة التبذير مجرد دعوة تحسيسية، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية. فمع تنوع السلع ووفرتها في الأسواق، يجد المستهلك نفسه أمام مسؤولية أكبر تتمثل في حسن الاختيار والاعتدال في الشراء، بما يضمن الحفاظ على القدرة الشرائية وتفادي الهدر غير المبرر للمواد الغذائية. ساهمت حملات التحسيس التي أطلقتها مختلف الجهات في ترسيخ وعي متزايد لدى المواطنين بأهمية الاستهلاك العقلاني، حيث بدأت مظاهر التبذير تتراجع تدريجيا مقابل انتشار سلوكيات أكثر توازنا تقوم على التخطيط للمشتريات، مقارنة الأسعار، واقتناء الكميات الضرورية فقط. وفي هذا الإطار، تبرز جملة من النصائح البسيطة التي يمكن أن تساعد المستهلك على تفادي الغلاء وحماية ميزانية الأسرة، مع الإسهام في الحد من التبذير الغذائي.
تزايد الاهتمام خلال السنوات الأخيرة بضرورة مكافحة التبذير وترشيد الاستهلاك، خاصة في ظل التقلبات التي تعرفها الأسواق وارتفاع الطلب على العديد من المواد الغذائية. فالاستهلاك الواعي لا يقتصر فقط على الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، بل يساهم أيضا في استقرار السوق وتفادي الضغوط غير الضرورية على السلع الأساسية. ومن هنا تبرز أهمية نشر ثقافة استهلاكية تقوم على الاعتدال والتخطيط المسبق عند التسوق.
ومن بين السّلوكيات البسيطة التي يمكن أن تحدث فرقا واضحا في ميزانية الأسرة مقارنة الأسعار قبل الشراء. فالتّجوّل بين أكثر من محل أو الاطلاع على العروض المختلفة يسمح للمستهلك باختيار السلعة المناسبة من حيث الجودة والسعر. كما أنّ الأسواق كثيرا ما تعرف تفاوتا في الأسعار بين محل وآخر، لذلك فإنّ التسرع في الشراء قد يؤدي إلى دفع مبالغ إضافية يمكن تفاديها بسهولة بقليل من الصبر والمقارنة.
كما ينصح الخبراء بضرورة شراء الكمية اللازمة فقط، لأنّ اقتناء كميات كبيرة دون حاجة فعلية قد يؤدي في النهاية إلى تلف جزء منها أو رميها. فالتّخطيط المسبق لاحتياجات الأسرة اليومية أو الأسبوعية يساعد على التحكم في المصاريف، وتفادي تراكم المواد الغذائية في المطبخ أو الثلاجة دون استعمال. ويعد إعداد قائمة مشتريات قبل الذهاب إلى السوق من أبسط الطرق لتنظيم الاستهلاك والحد من المشتريات العشوائية.
ويظل تجنّب التبذير الغذائي أحد أهم محاور الوعي الاستهلاكي، فالكثير من الأطعمة التي ترمى يمكن الاستفادة منها بطرق مختلفة، مثل حفظها بطريقة سليمة أو إعادة استعمالها في وصفات أخرى. كما أن احترام قيمة الغذاء يرسخ ثقافة اجتماعية إيجابية تقوم على الاعتدال والتقدير، خاصة وأن توفير الغذاء يمر بسلسلة طويلة من الجهد والإنتاج والنقل.
إنّ مكافحة التبذير مسؤولية يومية لكل مستهلك، وكل سلوك بسيط في السوق أو داخل المنزل يمكن أن يسهم في حماية القدرة الشرائية للعائلات، والمحافظة على استقرار الأسواق، وترسيخ ثقافة استهلاك أكثر توازنا ووعيا داخل المجتمع.
ورغم أنّ ظاهرة التبذير كانت تشكّل في فترات سابقة أحد التحديات المطروحة في المجتمع، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعا محسوسا في هذه السلوكيات بفضل حملات التحسيس والتوعية التي أطلقتها مختلف الجهات المعنية، سواء من قبل السلطات العمومية أو مبادرات المجتمع المدني، وكذا دور المساجد والإعلام. فقد ساهمت هذه الجهود في نشر ثقافة استهلاكية أكثر وعيا، تقوم على ترشيد الإنفاق واحترام قيمة الغذاء وتجنّب الإسراف.




